“أين جاري؟”.

 راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي في آخر الليل، حين تهدأ الأصوات وتغفو الشوارع

“أين جاري؟”. قراءة المزيد »

 راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي

في آخر الليل، حين تهدأ الأصوات وتغفو الشوارع خلف أبوابها المغلقة، تقف النوافذ شاهدة على حكاية غريبة لا يلتفت إليها أحد. عشرات البيوت متلاصقة كأنها قلب واحد، لكن الأرواح فيها متباعدة كأن بينها صحارى طويلة. يضيء مصباح هنا، وينطفئ آخر هناك، ويبكي طفل خلف جدار، ويمرض شيخ خلف جدار آخر، وتمر الأيام دون أن يشعر أحد بأحد. وكأن الإنسان نجح في تقريب المباني، ثم فشل في تقريب القلوب.
كان الجار يوماً امتداداً للأهل، وسنداً عند الشدائد، ووجهاً مألوفاً تطمئن إليه النفوس، حتى إذا ضاقت الدنيا وجد الإنسان بالقرب منه قلباً يعرفه قبل أن يتكلم. أما اليوم فقد أصبح بعض الناس يعرف عدد السيارات في الحي أكثر مما يعرف أسماء جيرانه، ويحفظ تفاصيل الغرباء أكثر مما يحفظ أحوال من يشاركونه الطريق ذاته. وهنا يتسلل السؤال الكبير من بين الجدران الصامتة: هل فقدنا الجار… أم فقدنا معنى الجوار؟

كان الباب قديماً يعرف الباب، وكانت الأرواح تتعارف قبل الأسماء، وكان الجار إذا غاب يوماً سأل عنه جاره، وإذا مرض عاده، وإذا ضاقت به الدنيا وجد في الطرقات قلوباً تعرفه قبل أن يطرقها. أما اليوم فقد أصبح كثير من الناس يعرفون أرقام الشقق أكثر مما يعرفون أصحابها، ويحفظون كلمات المرور أكثر مما يحفظون أسماء جيرانهم، حتى كأن الجدار الذي بُني للفصل بين البيوت تمدد خفيةً حتى فصل بين القلوب نفسها.

وحين نتأمل المشهد الاجتماعي المعاصر نشعر بشيء من الدهشة الساخرة. قد يعيش الإنسان سنوات طويلة بجوار إنسان آخر، يلتقيان دوما عشرات المرات، ويتشاركان الممر ذاته والشارع ذاته وصوت المؤذن ذاته، ثم إذا سأل أحدهما الآخر عن اسمه احتاج إلى لحظة تفكير! كأننا أصبحنا سكاناً في فندق كبير لا في حي واحد، وعابرين في محطة مؤقتة لا جيراناً تجمعهم الأيام.

وليس هذا لأن الخير قد اختفى، فالله جل جلاله ما زال يغرس في القلوب الرحمة والمودة، وما زال فضله يفيض على عباده، ولكن لأن سرعة الحياة الحديثة أقنعت كثيراً من الناس أن العلاقات عبء، وأن السؤال ثقيل، وأن المبادرة مخاطرة، حتى صار بعضنا يخشى طرق باب جاره أكثر مما يخشى الوقوف أمام مئات الغرباء.

ولعل العجيب أن ديننا العظيم جعل للجار منزلة تكاد تلامس منزلة القرابة. يقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: 36].

ويقول رسول الله ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».

تأملوا هذا الحديث العظيم. لم يقل حتى ظننت أنه سيُكرم الجار، أو سيحث على الإحسان إليه، بل قال: «سيورثه». أي من شدة تكرار الوصية وعظم مكانتها. وكأن الإسلام كان يبني مجتمعاً يعرف أن البيوت لا تحرسها الأسوار، بل تحرسها القلوب المؤمنة التي تخاف الله وتبتغي رضاه.

وقد رُوي عن الإمام الحسن البصري رحمه الله أنه قال في معنى الإحسان إلى الجار: “ليس حسن الجوار كف الأذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى”. وما أعمقها من كلمة. فالعلاقات الإنسانية لا تقوم على الكمال، وإنما تقوم على التغافر والتسامح وسعة الصدر.

وفي صفحات التاريخ الإسلامي تبرز مواقف تدهش القارئ مهما تكررت. فقد اشتهر عن عبد الله بن المبارك رحمه الله أنه كان يتفقد أحوال جيرانه والفقراء من حوله، ويبذل من ماله ما يخفف عنهم الحاجة. وكان كثير من الصالحين يعدون معرفة أحوال الجار جزءاً من مسؤوليتهم أمام الله، لا فضلاً زائداً يتباهون به. كانوا يدركون أن الله سبحانه هو الكريم الذي يحب الكرم، الرحيم الذي يحب الرحمة، وأن أعظم ما يزين العبد أن يتخلق بما أذن الله له من معاني الإحسان والرفق.

وفي عصرنا الحديث وقعت قصة مؤثرة تناقلتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل؛ إذ تعرض أحد كبار السن لوعكة صحية مفاجئة داخل منزله، ولم يكن له أبناء يقيمون معه. لكن جاره لاحظ غياب الحركة المعتادة عنه أياماً متتالية، فطرق بابه واطمأن عليه حتى أنقذه الله بسبب تلك المبادرة البسيطة. لم يكن الأمر بطولة سينمائية خارقة، بل سؤالاً صادقاً: “أين جاري؟”. أحياناً لا يحتاج المجتمع إلى مشاريع عملاقة بقدر حاجته إلى قلب يقظ.

الفيلسوف الصيني كونفوشيوس قال: “إذا أردت أن تعرف أخلاق أمة فانظر إلى تعامل الناس بعضهم مع بعض”. أما ابن خلدون فقد قرر في مقدمته أن العمران البشري لا يقوم إلا بالتعاون والتكافل. وكأن الحكماء، على اختلاف أزمانهم، كانوا يلتقون عند حقيقة واحدة: الإنسان وحده ضعيف، ومع الناس قوي.

ومع ذلك فإن المفارقة الساخرة في زمننا أن الإنسان قد يعرف تفاصيل حياة شخص يبعد عنه آلاف الكيلومترات، بينما يجهل حال جاره الذي يشاركه الجدار نفسه. يعرف ماذا أكل المشاهير وماذا لبسوا وأين سافروا، لكنه لا يعرف أن خلف الباب المجاور أرملة تحتاج دعوة، أو مريضاً يحتاج زيارة، أو مسناً يحتاج كلمة طيبة. وكأن التقنية قربت الأصابع وأبعدت القلوب.

إن السؤال الحقيقي ليس: أين الجار؟ بل أين معنى الجار؟ أين تلك الروح التي كانت تجعل الإنسان يشعر أن خير جاره خير له، وأن ألمه يمس شيئاً من إنسانيته؟ أين تلك البساطة التي كانت تجعل طبق الطعام ينتقل بين البيوت دون مناسبة، والكلمة الطيبة تعبر الأبواب دون استئذان طويل؟

لقد خلق الله الناس ليعمروا الأرض بالمودة والتراحم، وجعل بينهم أسباب التعارف والتآلف، ولم يجعل الحياة سباقاً بارداً بين جدران صامتة. وكلما اقترب العبد من ربه ازداد رحمة بخلقه، لأن معرفة الله حق المعرفة تورث القلب ليناً وإحساناً ورفقاً. ومن أدرك أن الله هو الرزاق الكريم، واللطيف الخبير، والرحمن الرحيم، أدرك أن أجمل ما يتركه الإنسان خلفه ليس المال ولا الشهرة، بل الأثر الطيب في قلوب من حوله.

فهل ما زلنا نعرف معنى الجار؟

ربما نعم، لكنه المعنى الذي يحتاج إلى إيقاظ لا إلى اختراع. يحتاج إلى أن نعيد فتح الأبواب التي أغلقتها العجلة، وأن نمد جسور السلام التي قطعتها الانشغالات، وأن نتذكر أن خلف كل باب قصة إنسان.

وحين يعود الجار إلى مكانته الطبيعية، لن تصبح الأحياء أكثر دفئاً فحسب، بل سيصبح المجتمع كله أكثر قوة وأمناً وإنسانية. فالمدن لا تبنيها الخرسانة وحدها، وإنما تبنيها القلوب التي تعرف حق الله، ثم تعرف حق الناس، وتدرك أن الجار ليس عنواناً على باب، بل نعمة من نعم الله تستحق الشكر والرعاية والإحسان.

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top