لماذا تلاشت فرحة العيد؟!

بقلم: عيسى المزمومي

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ؟!

تتوالى الأيام وتدور عجلة الزمن، ويعود العيد عامًا بعد عام، لكنه لم يعد كما كان. تراجعت البهجة، وتلاشت تلك الفرحة الصافية التي كانت تسكن قلوبنا عند قدومه. والسؤال الذي يفرض نفسه: أين ذهبت فرحة العيد؟ أهي ذهبت حقًا، أم نحن الذين تغيرنا؟!
أعود بذاكرتي إلى “الزمن الجميل”، إلى أحياء جدة القديمة: السبيل، والعمارية، والبوادي، وباب مكة. كانت تلك الأحياء تنبض بالحياة، وكانت الضحكات تتعالى من البيوت، والأحضان تتبادل في الشوارع، والأصدقاء يتجمعون حول موائد العيد البسيطة، المفعمة بالمحبة!
كانت الأعياد آنذاك تحمل معنى مختلفًا؛ لم تكن في الهدايا أو الأزياء، بل في اللقاءات، والقلوب التي تتقارب، والذكريات التي تُنسج في حضن الأهل والأحبة. أتذكر تلك اللحظات الخالدة، منذ خمسين عامًا، حين كانت السعادة تُولد من أبسط الأشياء: من رداء جديد وإن كان متواضعًا، من لعبة خشبية، أو حتى من ابتسامة جار. كانت الأعياد تُشعل فينا شرارة الحياة. كنا نركض في الشوارع، نلعب ونغني، ونشعر بأن العالم كله يحتفل معنا. نستقبل الضيوف بقلوب مفتوحة، ونعيش العيد كأنه قصيدة من الزمن الطيب، تختلط فيها براءة الطفولة بحنين الحب الأول، وبأحلام لم تكن قد بليت بعد.
لكن ماذا حدث؟ كيف انقلبت الموازين، وأصبحت الماديات مركز الاحتفال؟ صارت المنافسة في المظاهر، وشراء الأغلى والأفخم، هي ما يشغل الناس. حلّ الاستهلاك محل المعنى، وتحول العيد من مناسبة للتواصل والصفاء إلى مسرح للتباهي والتكلف.لقد غابت المشاعر. تلك الروح البسيطة، المضيئة، التي كانت تجعل من العيد لحظة احتفال بالإنسان لا بما يملك. صرنا نعيش العيد خلف الشاشات، نرسل التهاني الجاهزة، وننسى الدفء الحقيقي الذي كان في نظرة عين، أو في عناق بين أحبة فرقهم الزمن.
ربما لم تكن الماديات هي السبب وحدها، بل نحن الذين سمحنا لها أن تُغيّب جوهر العيد. نسينا أن الفرح لا يُشترى، وأن أجمل اللحظات تلك التي تأتي بلا مقابل، وتُحفر في الذاكرة لا في الفواتير!
والآن، حين نتأمل هذا التحوّل، ندرك أن الحل لا يكمن في رفض الماديات، بل في إعادة التوازن. أن نُعيد تعريف العيد في وجداننا، فنستحضره معنًى لا مظهرًا، صلةً لا سلعة، حنينًا لا حسابًا مصرفيًا. نحتاج أن نُحيي ما مات في داخلنا، أن نُعيد للعيد روحه التي كنا نعيشها بقلوب خفيفة، وأرواح طاهرة، ونفوس لا تعرف إلا الفرح الصادق.
في النهاية، تبقى الذكريات الجميلة كنزًا لا يُقدّر بثمن. فهل نبقى أسرى لزمنٍ مضى، أم نحاول أن نُعيد خلق تلك الروح من جديد؟! قد يعود العيد يومًا، لا في ملابسنا، ولا في موائدنا، بل في قلوبنا. ولكن!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top