فريحة السعيد.. ذاكرة المكان ووحدة القلوب بين السعيد والكعبان

إعداد: محمد الجمعة الظفيري

تحمل ذاكرة المكان في الخليج العربي ملامح التآلف والتعاون بين القبائل والأسر، وقد مثّلت منطقة فريحة السعيد في الزبارة إحدى المحطات الساحلية التي لم تكن مجرد ميناء أو مسكن، بل فضاءً من الروابط الإنسانية والعلاقات المتوارثة بين أهل البحر والتاريخ.

أحاديث المودّة: من أهل الكعبان

● محمد إبراهيم الكعبي: كنا جيرانًا وأقرباء

قال في توثيق الباحث فارس بن جاسم السعيدي:

“نحن جيران وأقرباء، وكنا في منطقة واحدة، وسمعت من أهلي القصص المرتبطة بفريحة السعيد، ومنها قصة وقعت على إحدى السفن خلال الحريبه البحرية القديمة، وكانت من الوقائع التي حفظتها، ولها أثر كبير في ذاكرتي”.

وقد أكّد الباحث و المؤرخ السعيدي الواقعة قائلًا:

“نعم، هذه الواقعة حدثني بها الشيبان، وكانت على إحدى مراكب السعيد، وهي (العييله). والعلاقة متجذّرة منذ أعوام كثيرة، وما أعرفه وسمعته من أهلي أن السعيد والكعبان أهل ورفقة قديمة لا تفرّقهم الأيام.
كما أن السفن والمساكر كانت تمثّل مصدر المعيشة الرئيسي لأبناء المنطقة، وقد أسهمت في توثيق العلاقة اليومية بين القبائل. وكانت جليعات السعيد – التي تُعد من قلاع ومواقع التمركز القديمة – بمثابة الملاذ الآمن والمكان الحامي للجميع، لما عُرف عن السعيد من مروءة ووفاء واستعداد دائم لنجدة جيرانهم”

● جمعة بن محمد الكعبي: أنتم ربعنا وأهلنا

في لقائه بالشيخ الدكتور جاسم بن أحمد السعيدي، قال:

“أنتم يا السعيد عوّضوكم عن مساكركم وبيوتكم، ونحن كنا معكم وما عوّضونا! أنتم أهلنا وربعنا، ونريدكم تشهدون لنا، فأنتم أبناء المنطقة وأهل فريحة السعيد”.

وقد رد الشيخ جاسم مؤكدًا:

“القرب بيننا قديم، وكنا في منطقة واحدة. وأستذكر فريحة السعيد التي ضمّت العديد من القبائل، ولكن كانت قبيلة الكعبان قريبة جدًا من قبيلة السعيد، ولهم محبة خاصة في قلوبنا”.

● أحمد بن محمد بن عرفج الكعبي: جيرة ومحبة متوارثة

“ما كنتم في مكان يا السعيد إلا وكنا معكم، وهذا يدلّ على الترابط القديم، والمحبة المتوارثة منذ زمن بعيد، أبًا عن جد. بيننا وبين السعيد جيرة قوية، ومحبّة قديمة، وذكر طيب متواصل منذ سنوات طوال. وهذه العلاقة ليست ظرفًا عابرًا، بل موروث أصيل”.

● علي بن محمد الكعبي (المري): مواقف السعيد لا تُنسى

“كنت أرى الشيخ جاسم السعيدي وهو يذهب إلى الدكان، وكنت أُعطيه ما لا أُعطيه لغيره، ولا آخذ منه شيئًا. وكنت أقول له: (أنتم ما قصرتم يا السعيد، بيض الله وجيهكم، ما ننساكم)”،
في إشارة إلى كرم السعيد وعلاقتهم التاريخية المتجذّرة بالكعبان.

● سلطان بن عبدالله بن محمد الكعبي (بومهنا): سكنّا معًا منذ زمن طويل

“عرفنا السعيد منذ زمن طويل، وسكنّا معًا في عدة مناطق، حتى حالة أم البيض، وما زلنا جيرانًا حتى اليوم. نكنّ لهم التقدير والمحبة، ولهم مواقف تاريخية عظيمة. واليوم الشيخ جاسم بن أحمد السعيدي هو شيخ السعيد وكبيرهم ومؤرخهم”.

● الوجيه عايض بن محمد الكعبي: عشنا معًا سنين لا تُنسى

“السعيد ربعنا من سنين، وكنا دومًا معًا. أذكر والد الشيخ جاسم وعمامه، كانوا ربعي وإخواني. اشتغلت معهم، وجالستهم لسنين، ولا أنسى مواقفهم أبدًا”،
قالها وهو يبتسم متأثرًا بالذكريات.

● راشد المانع الكعبي: شاهد عيان على مواقف السعيد

في إحدى السنوات، استضاف الشيخ جاسم السعيدي عددًا من قبيلة الكعبان من دولة قطر في مجلسه بالرفاع، ثم زار الوجيه راشد المانع الكعبي في عسكر، فقال أمام الحضور:

“أنا أذكركم يا السعيد، وأذكر فلان وفلان”، وذكر العديد من أبناء القبيلة الذين كانوا أصدقاءه قديمًا.
“أعرف مواقفكم وسفنكم في أيام الشدائد، وكنت شاهدًا على ما قدّمتموه”.

● محمد بن سلمان الكعبي: علاقة مميزة مع والد الشيخ جاسم

كانت بينه وبين والد الشيخ جاسم بن أحمد السعيدي علاقة قوية، كما هي العلاقة التي جمعت قبيلتي السعيد و الكعبان في السابق، وكان أحمد بن عبدالكريم السعيدي يُهديه عددًا من الأغنام آنذاك، لكي يستفيد من ألبانها، في دلالة على التعاطف والمحبّة والألفة المتبادلة.

● حسن بن محمد العجلان الكعبي: العجلان والسعيد إخوة المكان والذكرى

كان حسن بن محمد العجلان الكعبي وأبناء عمومته من أقرب الناس إلى السعيد في فريحة، بسبب قربهم الجغرافي منهم لسنين طوال، ومحبتهم المتوارثة.

فقد كان يذكر السعيد جيدًا، وكان يقول إن العلاقة بينهم ليست عابرة، بل فيها وفاء قديم، وتاريخنا معًا منذ سنين، وفريحة السعيد جمعتنا بالمحبة.
وقد عبّر عن ذلك أيضًا عائلة العجلان، الذين أكدوا أنهم لا ينسون مواقف السعيد، وأن السعيد من أقرب الناس إليهم، ولذلك فإن محبتهم مرتبطة بذكريات متجذّرة.

المساكر وسفن السعيد.. إرث بحري مشترك

امتلكت قبيلة السعيد عددًا كبيرًا من المساكر في فريحة، وهي مناطق مخصصة لصيد الأسماك، وكانت معروفة بملكيتها لأبناء السعيد، باستثناء عدد قليل تعود ملكيته لأسر أخرى من خارج القبيلة.

وقد شكّلت هذه المساكر، إلى جانب سفن السعيد، مصدرًا رئيسيًا للرزق، وساحة للتعاون اليومي، لا سيما مع قبيلة الكعبان التي شاركتهم البحر والصيد والعمل، في مشهد يعكس عمق العلاقة والمشاركة بين القبيلتين.

وكان لوجود جليعات السعيد – وهي قلاع أقامها أبناء القبيلة في فريحة – دورٌ بارز في تعزيز حضورهم واستقرارهم في المنطقة، إذ شكّلت مراكز حماية وتمركز، وأسهمت في تنظيم نشاط الصيد البحري، وحفظ الأمن، وتثبيت تواجد السعيد التاريخي على الساحل،
كما ذكر المؤرخون التاريخيون، وورد في وثائق بريطانية وتركية قديمة توثّق نشاط قبيلة السعيد البحري ووجودهم الفاعل في تلك المرحلة من تاريخ الخليج.

الشيخ الدكتور جاسم بن أحمد السعيدي: إخوة في البحر والميناء

قال الشيخ جاسم:

“الكعبان إخوان لنا، لهم في القلب مكانة، وفي التاريخ مواقف. كانوا معنا في البحر والميناء، وفي فريحة، والمساكر، والرحلات، والشدائد.
علاقتنا بالكعبان علاقة وفاء قديم وموروث طيب نعتزّ به ونحفظه في مجالسنا وأحاديثنا وأبنائنا”.

وأضاف:

“لا زلنا نذكرهم في مجلسنا إلى اليوم، ونحفظ لهم المعروف كما يحفظونه هم لنا”.

فريج السعيدي.. من الذاكرة إلى الواقع

قال الدكتور خليفة بن أحمد الغتم:

“الفريج الذي يُعرف سابقاً باسم (فريج الكعبان) في الرفاع الشرقي كان يُعرف في بدايته بـ(فريج السعيدي)، حينما نزل فيه أبناء قبيلة السعيد. ومع خروج عدد منهم لاحقًا، فسُمّي بهم”.
وهذا التداخل السكاني يعكس عمق العلاقة بين القبيلتين.

كلمة الختام

إن فريحة السعيد، بكل ما تحمله من تاريخ وجغرافيا، لم تكن مجرد موضع إقامة، بل كانت رمزًا حيًا لعلاقات إنسانية متجذّرة بين قبيلتي السعيد والكعبان، حيث اجتمع البحر والبر، والعمل والذكرى، والمروءة والوفاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top