التواضع.. خلق الكبار وعنوان الرفعة

بقلم: إبراهيم النعمي

في زمنٍ تزداد فيه مظاهر التعالي والتفاخر، يظل التواضع سِمة العظماء، وخلقًا نبيلًا دعا إليه الإسلام، وطبّقه خيرُ البشر، النبي محمد صلى الله عليه وسلم، في كل تفاصيل حياته.

جاء في الحديث الشريف عن عياض بن حمار رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد.”
بهذا التوجيه الإلهي، يُرسى مبدأ التواضع كقيمة إنسانية عظيمة، تزرع المحبة، وتنزع الكبر من النفوس.

لقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم التواضع في أسمى صوره. فلم يكن يسمح لأصحابه أن يقوموا له، تواضعًا ورحمة بهم. فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال:
“خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا على عصا، فقمنا له، فقال: لا تقوموا كما يقوم الأعاجم، يعظّم بعضُهم بعضًا.”
كما قال صلى الله عليه وسلم في التحذير من حب التعظيم:
“من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار.”

لقد كان رسول الله يعيش كأحد الناس، ويقول عن نفسه:
“إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد.”

وركب النبي صلى الله عليه وسلم ما يركبه عامة الناس من دابة، فكان يركب البعير والحمار والبغلة، ويزور المرضى، ويشهد الجنائز، ويجيب دعوة العبد، كما قال أنس رضي الله عنه:
“كان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف.”

وسُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها، عن حال النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، فقالت:
“كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة.”
أي أنه كان يساعد زوجاته ويشارك في شؤون المنزل، دون كبرياء أو استعلاء.

بل إنه صلى الله عليه وسلم كان يوصي بإكرام الخادم، فقال:
“إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يُجلسه معه، فليُناوله لقمةً أو لقمتين أو أكلةً أو أكلتين، فإنه وليّ حره وعلاجه.”
أي أنه تعب في إعداد الطعام وتحمل مشقته، فيستحق الشكر والإكرام.

وقد عبّر الشاعر موسى بن علي بن موسى عن التواضع في بيتين جميلين قال فيهما:

تواضعْ تكنْ كالنجمِ لاحَ لناظرٍ
على صفحاتِ الماءِ وهو رفيعُ
ولا تكُ كالدخانِ يعلو بنفسهِ
إلى طبقاتِ الجوِّ وهو وضيعُ

إن التواضع ليس ضعفًا، بل هو دليل قوة في النفس، وصفاء في القلب. ومن تواضع لله رفعه، وأحبه الناس، وأكرمه الله في الدنيا والآخرة. فلنحرص جميعًا على هذا الخُلق الرفيع، الذي يجلب البركة، ويقوّي الروابط بين الناس، ويقود إلى سُموّ الأخلاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top