إعداد: محمد الجمعة الظفيري
في سجل العلاقات التي وُثّقت بالمواقف لا بالكلمات، تبرز العلاقة المتينة بين الشيخ جاسم بن أحمد السعيدي والأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، رئيس وزراء مملكة البحرين الراحل، بوصفها واحدة من الصور الأصيلة التي جمعت القيادة بالشخصيات الوطنية ذات الحضور والفاعلية في المجتمع البحريني.
زيارة مستمرة.. وعلاقة سابقة للمجلس النيابي
لم تكن علاقة الشيخ جاسم السعيدي بالأمير خليفة بن سلمان علاقةً عابرة ارتبطت بفترة المجلس النيابي، بل تعود إلى ما قبل ذلك بكثير. فقد كانت لقاءاتهما متكررة في المجالس والمناسبات، كما كان الأمير يزور مجلس الشيخ جاسم بنفسه، في لقاءات حضرها المسؤولون والشيوخ والوجهاء، بحضور الإعلام والصحافة، مما يدل على ما يتمتع به الشيخ جاسم من مكانة وثقة واحترام داخل الأوساط الرسمية والمجتمعية.
وقد زار الشيخ جاسم الأمير خليفة في المستشفى العسكري أثناء مرضه الأخير، وفاءً وعرفانًا لعلاقة امتدت لعقود. وكانت هذه الزيارة تعبيرًا عن عمق الصلة التي لم تفتر، رغم الظروف.
أبناء الوفاء.. الشيخ علي بن خليفة نموذجًا
ولم تقتصر العلاقة على الأمير خليفة فحسب، بل امتدت إلى أبنائه الكرام، وعلى رأسهم سمو الشيخ علي بن خليفة آل خليفة، الذي كان يحرص على زيارة الشيخ جاسم في جميع مناسباته، وأحيانًا كان يحضر نيابة عن والده، الذي كان يوصيه دومًا بالعناية بالشيخ جاسم وتقديره. وقد كان الثناء على الشيخ جاسم علنيًا لا سريًا، لما عُرف عنه من ولاء مطلق للبحرين وحرصٍ صادق على مصالحها، وكونه امتدادًا لتاريخ عائلي عريق قام به أجداده في بناء الوطن وخدمته.
مسيرات المحبة والولاء.. ودور الشيخ جاسم الفاعل
كان للشيخ جاسم دور بارز في تنظيم مسيرات تعبيرًا عن المحبة والوفاء للأمير خليفة بن سلمان، حيث شكّلت هذه المسيرات نقطة تحوّل قوية في وقتها، وأظهرت مدى الحب الذي يكنه الناس للقيادة، بقيادة الشيخ جاسم.
وفي إحدى هذه المسيرات، ظهر الأمير خليفة من القصر شخصيًا للشيخ جاسم ، معبرًا عن اعتزازه به. وكان الأمير يحرص دائمًا على أن يكون الشيخ جاسم أول الجالسين إلى جانبه، مقدمًا إياه على الجميع، وهو تعبير واضح عن التقدير العميق والولاء المتبادل بينهما.
إشادة الأمير خليفة.. سيف ودرع للبلد
في أحد اللقاءات، صرّح الأمير خليفة بن سلمان قائلًا:
«تاريخكم ما هو من اليوم، ومواقفك بانَت للجميع».
وقد وصفه الأمير بأنه «سيف ودرع للبلد»، في إشارة رمزية إلى ما يمثله الشيخ جاسم من حماية للوطن وثبات على القيم والثوابت.
وفي زيارة أُقيمت في مجلس الشيخ جاسم، وأمام جمع من الصحفيين والشيوخ والمسؤولين، قال الأمير كلمته الخالدة:
«من أحب السعيدي فقد أحبّنا، ومن أبغض السعيدي فقد أبغضنا».
كلمةٌ لا تترك مجالًا للبس، وتجعل من الشيخ جاسم رمزًا لوحدة الصف الوطني، ومعبرًا صادقًا عن القيم التي تجتمع حولها القيادة وشعبها.
ابن المواقف يرويها..
في خضمّ المشهد الوطني، وحين تتقاطع مشاعر الولاء مع شواهد الوفاء، تأتي شهادة الأبناء لتكون مرآة حقيقية لِما عايشوه وعاينوه من تفاصيل لم تُدوَّن في الأخبار، بل حفظتها الذاكرة ونطقت بها القلوب.
وقد عبّر السيد فارس بن جاسم السعيدي، مدير مكتب المجلس العربي للمثقفين والأكاديميين للسلام والتنمية في مملكة البحرين، عن عمق العلاقة التي ربطت والده بالأمير الراحل قائلًا:
«هي محبة وارتباط كبير يدل عليه، وكنت أشاهده بعيني من احترام وتقدير لوالدي، وتقدير مختلف يعكس المحبة والتقدير للمواقف الرجولية والمروءة».
إنها كلمات تنبع من صدق التجربة، وتحمل في طياتها إرثًا من العلاقات الأصيلة التي تأسست لا على المجاملة، بل على المواقف والصدق والإخلاص. لقد كانت العلاقة التي تربط الشيخ جاسم السعيدي بالأمير خليفة علاقة نادرة، امتزج فيها التاريخ بالحب، والموقف بالوفاء، لتُرسّخ نموذجًا في العلاقة بين القيادة ورجالات الوطن المخلصين.
جذور ضاربة في الزمن
العلاقة بين العائلتين لم تبدأ مع الشيخ جاسم فقط، بل تعود إلى جيلٍ أسبق. فقد كان عم الشيخ جاسم السعيدي على صلة قديمة بالأمير خليفة بن سلمان، وكان يكرمه في المناسبات، ويذبح له، خاصة عند قدوم شقيقة الشيخ جاسم من السفر في سنوات الثمانينات و السبعينات .
بل إن جذور العلاقة تعود إلى ما قبل ذلك أيضًا، إذ كان عم الشيخ جاسم الكبير كان من الوجهاء الذين يستقبلهم و صديقًا مقرّبًا للأمير سلمان بن حمد آل خليفة، حاكم البحرين والد الأمير خليفة، وذلك في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، مما يعكس الروابط العائلية المتجذّرة المبنية على المحبة والولاء المتوارث جيلاً بعد جيل.
⸻
ختامًا
تُجسّد علاقة الشيخ جاسم السعيدي والأمير خليفة بن سلمان، وأبناءه من بعده، صورة من صور الوفاء التي تسكن الذاكرة البحرينية. علاقةٌ تشكّلت في زمن الثقة، وتوسّعت بالمحبة، وتوطّدت بالولاء والعمل الصادق من أجل الوطن. إنها ليست مجرد علاقة بين قائد ونائب، بل بين عائلتين اجتمع فيهما التاريخ على الإخلاص للوطن وقيادته.



