السلام والأمان من أحمد الفاتح إلى عهد حمد المعظم

بقلم: فارس بن جاسم السعيدي الظفيري – باحث في التاريخ الخليجي

كما أشرت في مقالي السابق، تناولت جانبًا من حقيقة فتح البحرين عام 1783م، باعتباره تحريرًا عربيًا خالصًا من النفوذ الفارسي، شاركت فيه قبائل عربية أصيلة، في مقدمتها قبيلة الظفير، بقيادة الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة، المعروف بـ”أحمد الفاتح”. واليوم أواصل هذا المسار التاريخي، مسلطًا الضوء على امتداد مشروع السلام والأمان الذي أرساه أحمد الفاتح، واستمر حتى عهد جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين المعظم.

لقد كان أحمد الفاتح قائدًا يتمتع ببصيرة سياسية وعسكرية نادرة. لم يكن هدفه الغزو أو السيطرة، بل إقامة دولة تسودها العدالة، ويعم فيها الأمن، ويُحترم فيها الإنسان، وتُصان فيها الحقوق، وتُبنى على أسس من الرحمة والإنصاف. ومنذ دخوله المنامة، أقر لأهلها بالأمان، وأكد على احترام الأرواح والممتلكات، وفتح الباب أمام التعايش، رافضًا منطق الانتقام أو الإقصاء.

وهذا النهج، لم يكن لحظة عابرة، بل بات ركيزة أساسية في بناء الدولة البحرينية الحديثة، حيث استمرت الأسرة الحاكمة في احترام إرادة الشعب، وصون وحدته، وتعزيز هويته العربية.

عهد الملك حمد بن عيسى: تثبيت دعائم الاستقرار والعدالة

وفي عصر الملك حمد بن عيسى آل خليفة، بلغت هذه المبادئ ذروتها من خلال مشروع الإصلاح الوطني الشامل، الذي أرسى دعائم دولة المؤسسات والقانون، وفتح باب المشاركة الشعبية، وأكد على احترام الحقوق والحريات، دون المساس بالثوابت الوطنية.

لقد أُعيد التأكيد على معاني الوحدة الوطنية، والانتماء العربي، والولاء لمشروع الدولة البحرينية، والتمسك بالثوابت الجامعة، وهي ذات القيم التي سار عليها أحمد الفاتح منذ تأسيس الدولة.

فما بين البدايات المؤسسة في 1783م، والنهضة الحديثة في عهد الملك حمد، نجد أن البحرين ظلت وفية لمبدأ “السلام والأمان”، وأن القوة لم تكن يومًا قهرًا، بل حماية للوطن، وصونًا لهويته، وبناءً لحاضره ومستقبله.

أبناء السعيد من الظفير: من ميادين الفتح إلى ساحات الوفاء

لقد شارك أبناء السعيد من قبيلة الظفير آباءهم وأجدادهم في فتح البحرين، وكانوا مع أحمد الفاتح في خندقٍ واحد، عضدًا له، وركنًا من أركان الانتصار.

وإنني، وأنا أكتب هذه السطور، لا أتحدث من موقع بعيد عن ذلك الحدث المجيد، بل أتحدث بصفتي حفيدًا لأولئك الرجال الذين جاؤوا من الكويت، مدافعين عن البحرين، رجالًا أقوياء حملونا هذه الأمانة، فتوارثناها جيلًا بعد جيل.

وإذا كان اليوم الشيخ جاسم بن أحمد السعيدي هو عميد وشيخ قبيلة السعيد في البحرين، فإنما هو امتداد لأولئك، وقد شارك بدوره في المسيرة الإصلاحية لجلالة الملك عبر ثلاث دورات في البرلمان البحريني، ممثّلًا الشعب بثبات ومسؤولية.

وإذا كنّا اليوم كتّابًا وصحفيين ومؤرخين، فإنما نواصل المسيرة التي بدأها جدّنا الشيخ مبارك السعيدي، الذي كان محاربًا وقائدًا قويًا بجانب العتوب والشيخ أحمد الفاتح طيب الله ثراه، فكان له سهمٌ في المعركة، وصوتٌ في الوفاء، ومكانةٌ في ذاكرة التاريخ.

الوفاء الثابت والقيادة الراسخة

لقد واصل الشيخ جاسم بن أحمد السعيدي بحكمة وثبات قيادة قبيلته في زمن دقيق، فكان ممثّلًا للبحرين في المحافل، وحاضرًا في الرفاع رمزًا ومكانًا ومقامًا، حاملًا رسالة الوفاء والانتماء، ومدافعًا عن وحدة الصف في كل مناسبة.

وكان مجلسه العامر في الرفاع، ولا يزال، منصةً مفتوحةً تستقبل شيوخ العائلة المالكة حفظهم الله، وملتقى يجمع الأهالي من مختلف المناطق، حيث يُؤكّد دومًا على قيم الولاء، ويحثّ الناس على الاصطفاف خلف القيادة الرشيدة لجلالة الملك وولي عهده الأمين، مجسّدًا بذلك دور الشيخ لا في النسب فقط، بل في الموقف والعمل والمبادرة.

ولم يكتفِ الشيخ جاسم بذلك، بل كان رجل الميدان في أشد الظروف، لا يتردد، ولا يلتزم الحياد، بل يقف في قلب المعركة والموقف حيث تتطلب المرحلة وضوحًا وثباتًا.

فهو من قاد أول مسيرة للفاتح، وتلتها وقفات ومسيرات وطنية ذات وزن، كانت شاهدة على حضوره وقيمه. ولم تكن تلك المسيرات مجرد رمزية، بل امتداد حقيقي لرجالٍ من أجداده شاركوا في فتح البحرين مع أحمد الفاتح، فوقفوا وحاربوا، ثم أورثوا أبناءهم هذا المبدأ: أن تكون حيث يحتاجك الوطن، لا حيث ترتاح.

تمثيل القبيلة وتعزيز الانتماء الوطني

كما يمثل الشيخ جاسم بن أحمد السعيدي قبيلته وأبنائها اليوم في تقديم التعازي، وتمثيل القبيلة في الاحتفالات والمناسبات الرسمية والوطنية، حيث يحضر بشخصه ويمثل صوت القبيلة ووجهها الحضاري، وهو امتداد حقيقي وتاريخي لقبيلة الظفير العريقة، محافظة بذلك على الروابط الاجتماعية والتقاليد العريقة التي تربط القبائل والمجتمع في البحرين.

ويعمل الشيخ جاسم دومًا على تعزيز الانتماء الوطني وترسيخ قيم المواطنة، مشددًا في كل خطاب ومناسبة على أهمية التمسك بالعادات البحرينية الأصيلة، معبرًا عن كامل الولاء والوفاء لجلالة الملك، مؤكدًا أن هذا الانتماء هو الرابط الأسمى الذي يجمع بين أبناء الوطن، ويرسخ أمنه واستقراره، داعيًا الجميع إلى السمع والطاعة للقيادة الحكيمة حفاظًا على وحدة الوطن واستقراره.

الثناء على دور القادة ورد على الافتراءات

إنّ دور أحمد الفاتح في تأسيس دولة قوية ومتماسكة، والرسالة التي حملها من عدل وسلام وأمان، تظل مصدر فخر واعتزاز لكل أبناء البحرين. لقد كان رائدًا حقيقيًا، وفتح صفحة جديدة في تاريخ البحرين، وقام على أساس من حقن الدماء، إذ كان مرسى للأمان، وليس للتخريب أو لإثارة الخوف، وكان أهل البحرين واقفين معه بكل عزيمة وإخلاص.

ونحن نرفض بشدة التآويل والكذب والافتراءات التي تصدر أحيانًا على القيادة الحكيمة، ونؤكد أن ما يقال من مزاعم أو أقوال غير صحيحة لا أساس لها من الصحة. فالفتح الذي قاده أحمد الفاتح كان تحريرًا حقيقيًا، وصونًا لوحدة البحرين، وإرساءً لأسس السلام والأمان، وليس فعلًا للاعتداء أو التمزق.

أما جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، فقد حمل مشعل الإصلاح والتطوير، مستمراً على نهج التأسيس، مثبتًا دعائم العدالة والاستقرار، ومكرّسًا لحكم المؤسسات التي تحقق مشاركة الشعب وتعزز هويته الوطنية.

ولا يغيب عن الأذهان الدور الحيوي لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الذي يقود مسيرة البناء والتطوير، ويعزز مكانة البحرين بين دول العالم، ويحث الجميع على التكاتف والعمل من أجل مستقبل أفضل لأجيالنا القادمة.

الخاتمة

من أحمد الفاتح إلى الملك حمد المعظم، ومن لحظة التحرير إلى حاضر الإصلاح، كانت البحرين دومًا وطنًا يحكمه العدل، وتوحده القلوب.

فهو تاريخ السلام والأمان وحقن الدماء، لا تاريخ الفرقة ولا الاعتداء، ومواقفنا فيه راسخة كجذور الأرض، لا تحركها ريح ولا تغيّرها موجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top