بقلم ـ ابراهيم النعمي
في عالم يزداد فيه انكشاف الخصوصيات وتكاثر العيون المتلصصة، يصبح الإنسان أحيانًا محور مراقبة من محيطه دون أن يدري. ولعلّ المأساة لا تكمن في المراقبة ذاتها، بل في الدوافع التي تحرّكها. فغالبية الناس لا تراقبك بدافع الحب أو الحرص، بل بدافع الفضول، وربما المصلحة، وفي أحيان كثيرة، بدافع الرغبة في الحكاية والنقل لا الفهم أو المشاركة.
إن الاهتمام الحقيقي نادر، وقليلون هم الذين يسألون عنك لأنهم يودّون لك الخير أو يتمنّون لك النجاح من قلوبهم. أما البقية، فإنهم يتتبعون خطواتك لا لشيء إلا ليراقبوا ماذا تفعل، من ترافق، ماذا تلبس، وكيف تعيش، لا رغبة في مشاركتك الفرح أو الحزن، بل ليحملوا أخبارك إلى المجالس، ويفكّكوا تفاصيلك كما تُفكك الأخبار العاجلة.
الفرق كبير بين من يتابعك ليساندك، وبين من يتربص بك ليتحدث عنك. الأول يكون ظلّك حين تحتاج سندًا، والثاني يكون ظلك حين لا ترغب في الانكشاف. الأول يسأل ليطمئن، والثاني يسأل ليروّج. وفي ظلّ هذا التداخل بين الاهتمام والفضول، يغدو الإنسان مطالبًا بأن يتحلى بالبصيرة لا فقط بالحذر.
قد نخطئ أحيانًا حين نُسرف في مشاركة أنفسنا، نظن أن كل من يقترب مهتم، وكل من يسأل مُحب، لكن التجارب كفيلة بأن تعلّمنا أن لا نمنح مفاتيح قلوبنا لكل من طرق الباب. فالعلاقات التي تبنى على الصدق تُعرَف من أوّل اختبار، أما تلك التي يحركها الفضول فغالبًا ما تسقط عند أول انكشاف.
في النهاية، ليس من المهم كم عدد من يراقبك، بل من منهم يرى نورك لا ظلك، من منهم يفرح لفرحك ويغتمّ لألمك، من يتحدث عنك بغيابك كما لو كنت حاضرًا، لا كما لو كنت مادة للنقاش.
احرص على ألا تكون حياتك مرآة لمن لا يعرف قيمتها. وازن بين الانفتاح والثقة، وبين الحذر والفطنة. فليس كل عينٍ تُبصرُكَ تُحبُّكَ، وليس كل من يتحدث عنك يودُّ لك الخير.



