المذاكرة على الفانوس

بقلم ــ إبراهيم النعمي

تُعيدنا الذاكرة إلى أيامٍ جميلة، رغم بساطتها، كانت مليئة بالرضا والقناعة، أيامٍ سبقت النهضة الكبرى التي نعيشها اليوم في المملكة العربية السعودية.

في ذلك الزمن، لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى قريتنا ولا إلى القرى المجاورة، فكانت الفوانيس والاتاريك هي مصدر النور الوحيد في بيوتنا البسيطة، التي شُيّدت من القش والجريد والأثل وسعف النخيل والصنادق، وبعضها كان يحتوي على غرفة شعبية متواضعة.

كنا نذاكر دروسنا ونحل واجباتنا على ضوء الفانوس، ذلك الضوء الخافت الذي كان يملأ المكان سكونًا ودفئًا. كانت والدتي – رحمها الله – تقوم بتنظيف زجاجة الفانوس، وتبديل الذبالة، وتعبئته بالكيروسين، ثم تضعه في وسط الغرفة، فنلتف حوله نحن إخوتي نراجع دروسنا بكل جدٍّ وسعادة وراحة بال.

ورغم أن والدي ووالدتي – رحمهما الله – لم يكونا يعرفان القراءة ولا الكتابة، إلا أنهما كانا حريصين أشد الحرص على تعليمنا، ومتابعة تحصيلنا الدراسي. وكان والدي يزور المدرسة بين فترة وأخرى ليطمئن على مستوانا، ويقول للمعلمين ومدير المدرسة عبارته التي لا أنساها:

“اللحم لكم والعظم لنا.”
تلك العبارة كانت تعبيرًا صادقًا عن ثقته بالمعلمين، ورغبته في أن يُخرِّجوا جيلًا متعلمًا نافعًا لوطنه.

واليوم، ونحن نعيش هذا العهد الزاهر المليء بالعلم والنور والازدهار، لا نملك إلا أن نحمد الله على ما نعيشه من نعمة وتطور، وأن ندعو لأولئك الآباء والأمهات الذين صنعوا من البساطة مجدًا، ومن الفانوس نورًا أضاء طريق المستقبل.
رحم الله والدينا، وجزاهم عنّا خير الجزاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top