جيل المخضرمين

 بقلم: إبراهيم النعمي

البدايات البسيطة.. زمن بلا كهرباء ولا خزانات ،يُطلق علينا اليوم وصف جيل المخضرمين أو الجيل الذهبي، ذلك الجيل الذي خرج إلى الحياة في زمنٍ بسيط لم تعرف فيه القرى والمدن الصغيرة الكهرباء ولا المياه الصحية ولا الخزانات، ولم تكن هناك غرف خاصة أو وسائل راحة متقدمة كما نراها اليوم.

درستُ في فصولٍ شعبية متواضعة، وجلستُ على الكراسي الخشبية، وكنتُ أذاكر وأحل واجباتي على ضوء الفانوس، ثم على ضوء “الإتريك”، في مشهدٍ لا يغيب عن الذاكرة.

أتذكر جيدًا حين كنا نشاهد التلفزيون الأبيض والأسود عند جيراننا، وكان يعمل ببطارية السيارة، وكانوا يحرصون على إغلاقه حفاظًا على طاقة البطارية.

وحين تخرج أخي معلمًا ورجع من مدينة الرياض، اشترى سيارة “كورولا”، وطلبنا منه أن يشتري لنا تلفزيونًا، فاشترى واحدًا أبيض وأسود، وكانت فرحتنا به لا توصف.

كنا نستمتع بمتابعة المسلسلات البدوية وأناشيد الأطفال وبرامج الشيخ علي الطنطاوي – رحمه الله – وغيرها من البرامج الهادفة التي شكّلت وجداننا الثقافي في تلك المرحلة.

دخول الكهرباء وبداية التحول فقد
تعلّمت قيادة السيارة على يد أخي – حفظه الله – وأنا في المرحلة المتوسطة، وكنت أجلب المياه من “العزامة”، قبل أن تدخل الكهرباء إلى قريتنا، ومعها بدأت مرحلة جديدة من حياتنا.

تخرجتُ بعدها معلمًا، واشتريت جهاز الفيديو، وكنت أقتني الأشرطة والأفلام من جازان وصبيا، وكان ذلك نقلة كبيرة في عالم الترفيه المنزلي آنذاك.

ثم جاءت مرحلة تلفون العملة، فكنا نقطع المسافات إلى شمال بيش للاتصال بأقاربنا، قبل أن يدخل الهاتف الثابت.

استأجرتُ مكانًا في “العزامة” لتركيبه، وربطته بجهاز لاسلكي يصل إلى منزلي الذي يبعد نحو ثلاثة كيلومترات — في خطوة كانت آنذاك من مظاهر التقدّم التقني.

مع دخول الهاتف الثابت بدأت مرحلة جديدة من التواصل والمعرفة، حيث انضممت إلى المنتديات التعليمية والأدبية وكرويتات جازان، ومارست من خلالها هوايتي في الكتابة والتصوير باستخدام كاميرا “كوداك” الفورية.

ثم جاءت ثورة الجوالات، وكان سعر الشريحة آنذاك عشرة آلاف ريال، وبعدها ظهر الجوال المزود بالكاميرا، لتبدأ معه نقلة نوعية في عالم الاتصال والتوثيق.

تقاعدتُ بعد مسيرةٍ طويلة في التعليم، وتفرغتُ للكتابة الصحفية والتصوير، ومارست العمل التطوعي في مجالات متعددة، إيمانًا مني بأن العطاء لا يتوقف بانتهاء العمل، بل يبدأ حين يمتزج الشغف بالخبرة.

هكذا هو جيل المخضرمين…
جيلٌ عاصر شظف العيش وبساطة الحياة، ثم واكب ثورة التقنية والحداثة بكل وعيٍ ورضا.
جيلٌ يحمل في ذاكرته عبق الماضي وجمال الحاضر، ويقف شاهدًا على رحلة وطنٍ عظيمٍ صنع من الصحراء حضارةً، ومن الصعوبات إنجازًا، ومن الأحلام واقعًا مشرقًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top