أشواك الدفء لماذا تؤلمنا العلاقات كما تدفئنا؟

بقلم ــ المستشار فرحان حسن

في شتاء بارد من القرن التاسع عشر كان العالم و الفيلسوف آرثر شوبنهاور يكتب تأملاته حول الإنسان والعالم لم يستعن بحكايات الأبطال ولا بالأساطير  بل لجأ إلى صورة بسيطة لكائن صغير يعيش في البرد ويحتمي بأشواكه القنفذ.

من هذه الصورة المتواضعة ولدت واحدة من أعمق الاستعارات التي ما زالت حاضرة حتى اليوم لأنها تختصر علاقتنا بالآخرين في مشهد واحد يجمع الألم والأمل القرب والاحتياج الخوف والرغبة.

 

تصور الاستعارة مجموعة من القنافذ في يوم شديد البرودة لا خيار أمامها سوى الاقتراب من بعضها البعض فالحاجة إلى الدفء أقوى من الخوف لكن مع الاقتراب تبدأ الأشواك في إحداث الألم.

 

لم تكن معضلة القنفذ فكرة عابرة بل امتدادا طبيعيا لفكر شوبنهاور الذي يرى الحياة ساحة بين الرغبة والمعاناة فالإنسان في نظره كائن مدفوع بإرادة لا تهدأ يسعى للتقارب طلبا للطمأنينة ثم يصطدم بأمور الحياة و الواقعية.

 

في هذا السياق تظهر العلاقات الإنسانية كضرورة لا مهرب منها فهي تمنح الدفء وتخفف الوحدة لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب للاحتكاك والجرح و الألم وسوء الفهم . القنفذ هنا ليس حيوانا بل صورة صادقة للإنسان بكل تناقضاته وهشاشته ودفاعاته النفسية.

 

هذا المشهد يشبه تماما علاقتنا بالآخرين نحن نقترب بدافع الحاجة إلى الحب والانتماء والاعتراف لكننا نحمل في داخلنا ما يمكن أن يؤذي غيرنا آراء حادة توقعات مبالغ فيها حساسية زائدة وخوف دفين من الرفض.

 

كلما اقتربنا أكثر انكشفت هشاشتنا وتحول الدفء إلى توتر ثم إلى ألم فنبتعد قليلا بحثا عن الأمان لكن البعد الطويل يعيدنا إلى برودة الوحدة فنعود للاقتراب من جديد و بهذه الحركة المتكررة بين القرب والبعد تصل القنافذ دون تخطيط إلى مسافة متوسطة لا تحقق الدفء الكامل لكنها تحمي من الجرح القاسي.

 

هذه الفكرة انتقلت إلى علم النفس والعلوم الاجتماعية فقد وجد فيها مفكرون وعلماء نفس تفسيرا عميقا لسلوك الإنسان في علاقاته اليومية.

 

تفسر معضلة القنفذ لماذا تتحول الصداقة أحيانا إلى صراع ولماذا تحتاج العلاقات العاطفية إلى مساحة شخصية ولماذا يكون العمل الجماعي مصدر تعاون وإرهاق في آن واحد و هي تذكرنا بأن العلاقة الصحية لا تعني الذوبان الكامل ولا الانعزال التام بل تعني تواصلا واعيا يحترم المسافات ويقبل التوتر بوصفه جزءا طبيعيا من أي علاقة إنسانية.

 

في عصرنا الرقمي تبدو هذه المعضلة أكثر وضوحا من أي وقت مضى فنحن على اتصال دائم لكننا أكثر حساسية وأكثر عرضة للأذى المقارنات المستمرة انعدام الخصوصية والحضور الدائم للآخرين عبر الشاشات كلها أشكال جديدة من الأشواك.

 

يذكرنا شوبنهاور أن الإنسان مثل القنفذ لا يستطيع أن يعيش وحده ولا أن يلتصق بالآخرين تماما لكنه يستطيع بالصبر والوعي أن يجد قدرا من الدفء يكفيه لمواصلة الحياة.

  المستشار فرحان حسن

X: https://twitter.com/farhan_939

‏e-mail: fhshasn@gmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top