الجَرَّة “رَجَبِيَّة”

بقلم: إبراهيم النعمي

في شهر رجب من كل عام، كانت والدتي فاطمة – رحمها الله – تستقبل الشهر بوصيةٍ دافئة لوالدي – رحمه الله – أن يشتري لها جَرَّةً جديدة، تُسمّى “رَجَبِيَّة”، نسبةً إلى هذا الشهر الذي يسبق نفحات رمضان، وكأنها إعلانٌ مبكر لقدوم الضيف الكريم.

كانت تهتم بها عنايةً خاصة، تبخّرها بالمستكى واللبان، وتضع فيها حبّات الهيل؛ ليمنح الماء نكهةً عذبةً تعبق برائحة الطيب والذكريات. لم تكن الجرة مجرّد إناءٍ للماء، بل كانت طقسًا من طقوس الاستعداد الروحي، وجسرًا بين رجب ورمضان.

ومنذ وقت العصر، كانت تُجهّزها وتضعها في طرف “الطراحة”، تنتظر أذان المغرب. وحين يرتفع النداء، نُقبل عليها بشوق، فنشرب من مائها البارد جدًا، فنجد فيه لذّةً لا تشبهها لذّة، برودةٌ تُطفئ الظمأ، وحنينٌ يروي القلب قبل الجسد.

رحمكِ الله يا أمي…
فما زالت “الرجبية” تسكن الذاكرة، وتفوح منها رائحة الهيل واللبان، كلما أقبل رجب، وأطلّ رمضان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top