لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثلَه… ازدواجية تهدم القيم

بقلم: إبراهيم النعمي

في زمنٍ تتسارع فيه الكلمات، وتعلو فيه أصوات الوعظ والنصح، يبقى الصدق مع النفس هو المعيار الحقيقي لقيمة الإنسان. فليس كل من تكلّم بالحكمة كان حكيمًا، ولا كل من نهى عن الخطأ كان بريئًا منه.

وبين القول والفعل مسافة لا يقطعها إلا الصادقون، أولئك الذين يبدأون بإصلاح ذواتهم قبل أن يمدّوا أصابع الاتهام إلى غيرهم. ومن هنا جاءت حكمة الأوائل لتضعنا أمام مرآة أنفسنا، وتذكّرنا بأن أعظم النُصح ما وافقه العمل، وأصدق الكلمات ما صدّقها السلوك.

يقول أبو الأسود الدؤلي:
لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثلَهُ
عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ
ابدأ بنفسك وانهَها عن غيِّها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ

هذه الأبيات ليست مجرد حكمة عابرة، بل ميزان أخلاقي دقيق يضع الإنسان أمام نفسه قبل أن يضعه أمام الناس. فهي تُحذّر من التناقض بين القول والفعل، ذلك التناقض الذي يفقد الكلمة قيمتها، ويُسقط صاحبها من أعين الآخرين مهما تجمّل بالوعظ والنصح.

إن أعظم ما يُفسد النصيحة أن تخرج من لسانٍ لا يصدّقها الفعل، فتصبح الكلمات جوفاء، لا أثر لها في القلوب. ولهذا جاء التحذير الإلهي الصريح في قوله تعالى:
{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44]، وهو توبيخ لمن يجعل من نفسه واعظًا لغيره، بينما يغفل عن تقويم ذاته.

وفي واقعنا اليوم، تتجلّى هذه الازدواجية بوضوح، خصوصًا في منصات التواصل الاجتماعي؛ فكم من شخصٍ كان يُحذّر منها، ويُهاجم مستخدميها، بل وينظر إليهم بازدراء وسخرية، ثم لا يلبث أن يصبح أحد روّادها، وربما أشدّهم حضورًا وتأثيرًا! وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: كيف يتحوّل الناقد إلى فاعل، والرافض إلى منغمس؟

إن القلوب بيد الله، يُقلّبها كيف يشاء، وقد قال النبي ﷺ:
“إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحد، يصرفه حيث يشاء”، ثم دعا: “اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك”.

وهذا يدعونا إلى التواضع، والحذر من إطلاق الأحكام القاطعة على الآخرين، فالثبات على المبدأ نعمة، والتقلب وارد، لكن العاقل هو من يُحاسب نفسه قبل أن يُحاسب غيره، ويُصلح عيوبه قبل أن يُشير إلى عيوب الناس.

ليس العيب أن تُخطئ، فكل ابن آدم خطّاء، ولكن العيب أن تُنصّب نفسك قاضيًا على الناس، وأنت أول من يخالف ما يقول. فابدأ بنفسك، وكن قدوةً صامتة قبل أن تكون واعظًا ناطقًا… فالفعل أبلغ من ألف كلمة، والصدق مع النفس هو أول طريق الإصلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top