✒️. – راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
“وفي خفاء اللطف الإلهي، يهيّئ الله لعباده من العلامات ما يُنجيهم، لا ليمنع عنهم الطريق، بل ليحفظ خطواتهم من السقوط وهم لا يشعرون.”
رؤيتنا ليست قيودًا تُكبل المسير، ولا أسوارًا تُغلق الأفق، بل هي أشبه بلافتاتٍ منصوبةٍ عند منعطفات الطريق، تُضيء في لحظة غفلة، وتهمس في أذن العابر: “انتبه… هنا يبدأ الانزلاق”.
فما خُلق التحذير ليمنع الحياة، بل ليصونها، وما وُضعت الإشارات إلا رحمةً من الله بعباده، يوقظ بها قلوبًا كادت أن تُخدع ببريق الطريق الملساء.
ومن أخطر تلك المنزلقات التي باتت تتسلل إلى حياتنا بهدوءٍ ناعم، ما يمكن أن نسميه: “الأخوة الزائفة”… تلك التي تُرفع شعاراتها عالية، لكنها تنهار عند أول اختبار، وتتبخر عند أول اختلاف، وتُباع عند أول مصلحة.
لقد ربط الله الأخوة الحقيقية برباطٍ لا ينفصم، ربطها بالإيمان، فقال جلّ في علاه في كتابه العظيم:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]
فجعلها حقيقةً راسخة، لا شعارًا عابرًا، ولا عاطفةً موسمية، ولا صفقةً اجتماعية.
إنها أخوةٌ تتجاوز المصالح، وتعلو على الظروف، وتثبت حين تهتز الأرض تحت الأقدام.
وليس من قبيل المصادفة أن الأزمات هي المرآة التي لا تجامل، فهي تكشف معادن الناس، وتُسقط الأقنعة دون استئذان. كم من “أخٍ” تلاشى عند الضيق، وكم من “صديقٍ” اختفى عند الحاجة، وكأن العلاقة كانت عقد إيجارٍ مؤقت، لا عهدًا موثقًا بالإيمان.
يقول الفيلسوف “أرسطو” وهو يراقب العلاقات الإنسانية بحدسه العميق: “الصديق الحقيقي روحٌ تسكن جسدين”، لكنه لم يكن يتحدث عن صداقة المصالح، بل عن تلك التي تتغذى على القيم وتستمد قوتها من المبادئ.
ويأتي الإمام الشافعي – رحمه الله – بروحٍ أكثر صفاءً حين يقول: “إذا لم يكن صفو الوداد طبيعةً… فلا خير في ودٍ يجيء تكلفا”، وكأنه يختصر قرونًا من الخيبات في بيتٍ واحد.
وفي زمننا، أصبح من السهل أن تتشكل العلاقات بسرعة، كما تتشكل فقاعات الماء، لكنها بنفس السرعة تنفجر، تاركةً خلفها فراغًا مؤلمًا.
شعارات “الأخوة الإنسانية” تُطرح أحيانًا بديلاً عن الأخوة الإيمانية، لكنها في لحظات الحقيقة تُظهر هشاشتها، إذ كيف يجتمع قلبان بلا أصلٍ يجمعهما؟ وكيف يثبت بناءٌ بلا أساسٍ يحمله؟
وهنا لا بد من وضوحٍ لا يوارب: الإسلام لا يمنع المعاملة الحسنة مع الجميع، بل يأمر بها، فقد قال الله تعالى:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ… أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]
لكن الفرق دقيق وعظيم بين البرّ والإحسان، وبين الموالاة والمحبة القلبية التي تُنافي حقيقة الولاء الإيماني.
وفي الحديث الصحيح، قال النبي ﷺ:
«الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (رواه البخاري ومسلم)
وهذا الحديث ليس جملة عاطفية، بل ميزان دقيق يزن القلوب، ويحدد اتجاهها، ويكشف عمق ارتباطها.
ولعل من أجمل ما يُروى في هذا الباب، قصة ذلك الشاب من التابعين الذي اشتد به الفقر، فطرق باب أحد الأغنياء الذين كان يجالسهم ويُكثر من الثناء عليهم، فلما ضاق به الحال، لم يجد منهم إلا اعتذارًا باردًا.
ثم قصد رجلًا صالحًا كان يعرفه معرفةً عابرة، فلما علم بحاله، قال: “والله ما بيني وبينك نسب، ولكن بيننا إيمان، وهذا يكفيني”، ثم أعطاه من ماله ما أغناه.
خرج الشاب يومها وهو يبتسم، لكنه لم يكن يبتسم للمال، بل للحقيقة التي أدركها: أن الأخوة التي تُبنى لله لا تخذل.
وفي مشهدٍ معاصر، نرى كثيرًا من الناس يُحيطون أنفسهم بعلاقاتٍ واسعة، لكنها هشة، فإذا اشتد عليهم أمر، لم يجدوا إلا قلةً صادقة، كأن الله يُصفّي لهم الدائرة، لا ليُحزنهم، بل ليُقرّبهم من الصادقين.
إنها حكمة الله التي تتجلى بلطفٍ خفي، يُنقذ بها عباده من أوهام العلاقات، ويقودهم نحو حقيقة الانتماء.
فالله جل جلاله، برحمته، لا يترك قلب المؤمن يتكئ على ما لا يدوم، بل يوقظه، ويهذبه، ويعيد توجيهه نحو ما يثبت.
وهنا تكمن المفارقة الساخرة التي تستحق التأمل:
نحن نخاف من الوحدة، فنركض نحو أي علاقة، ثم نكتشف أن بعض العلاقات أشد وحدةً من العزلة نفسها!
فالوحدة الحقيقية ليست قلة الناس حولك، بل غياب الصدق فيهم، وليس الفقر في العلاقات، بل الفقر في معانيها.
يقول الفيلسوف “نيتشه”: “ليس ما يُقال هو المهم، بل من يقوله”، ونحن نضيف: وليس من يقوله فقط، بل لماذا يقوله، وعلى أي أساس يقوله.
فليست كل يدٍ تمتد صداقة، ولا كل كلمةٍ أخوة، ولا كل اجتماعٍ مودة.
إنما هي معايير دقيقة، يُميزها القلب إذا صفا، ويهتدي إليها العقل إذا استنار بنور الإيمان.
فاحذروا الأخوة الزائفة… لا لأن الناس سيئون، بل لأن القلوب تتغير، والمصالح تتبدل، وما لم يكن لله، فلن يدوم.
وثبتوا على أخوتكم الإيمانية، فإنها الحبل الذي لا ينقطع، والنور الذي لا يخبو، والظل الذي لا يزول.
وفي الختام…
ليس المطلوب أن نغلق أبوابنا، ولا أن نُحسن الظن بلا وعي، بل أن نضع قلوبنا في مواضعها الصحيحة، وأن نفهم أن لطف الله بنا لا يظهر دائمًا في العطاء، بل أحيانًا في الكشف، وأحيانًا في الفقد، وأحيانًا في الانسحاب المفاجئ لأشخاصٍ ظنناهم كل شيء.
وهنا، فقط…
ندرك أن الله لم يُضيّق علينا، بل أنقذنا، ولم يحرمنا، بل اختار لنا، ولم يُبعدنا، بل قرّبنا مما يليق بقلوبٍ خُلقت لتكون له.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



