ثقافة الاعتذار ضعف أم قوة

د.أحمد نبيل عبدالفتاح

يعتقد كثيرون أن الاعتذار عند الخطأ نقطة ضعف أو إنكسار
لا يجب إظهارها فهى دليل هزيمة لا تليق بهم،ومن هذا المنطلق يُصنف المكابرين والرافضين للاعتذار أنفسهم كطبقة مثالية لا تخطيء أبدًا وإن حدث وأخطات لا تعتذر لمن تظنهم دونها وهذا هو الكبر والمكابرة وهما من صفات الشياطين والعياذ بالله،بل على العكس من ذلك فالاعتذار هو أسمى مراتب النبل والشجاعة ودليل قوة الشخصية والشخص النبيل هو الذي يضع الحق والعدل وإرضاء الضمير فوق رغبته في الظهور كشخص مثالي لا يخطىء،والشخص الضعيف هو الذي من يهرب من خطئه بالأعذار أما القوي فهو من يملك الجرأة ليقول:” أنا اخطأت “.
الاعتذار ثقافة من يجيدها
الإعتذار ليس دليل ضعف أو فشل بل هو الاعتراف بالخطأ والرجوع عنه وترجمة هذا الشعور إلى فعل حسّىي ملموس تُجبر النفس للرجوع إلى الحق ومحاسبة الذات فالاعتراف بالخطأ فضيلة وكذلك الاعتذار عنه كلاهما فضيلتين تعززان روابط الألفة والمحبة بين البشر فهو كالبلسم الذي يشفي الجروح ويمنع تطور الخصومة إلى الجفاء والعداوة،وفي القرآن الكريم جاء الاعتذار فى صور متعددة منها التوبة والاعتراف بالخطأ مثل اعتراف الأنبياء وقول آدم وحواء عليهما السلام في كتاب الله تعالى:”ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين” صدق الله العظيم،وكذلك عن قبول الاعتذار والصفح قول الله تعالى:”فاعف عنهم وأصفح إن الله يحب المحسنين”صدق الله العظيم.
سيكلوجية عدم الاعتذار كبرياء أم اضطراب
وللأسـف يصعب على البعض قول أنا آسف عند الخطأ وذلك قد يكون لأسباب نفسية واجتماعية حيث يُنظر للاعتذار على أنه ضعف أو تهديد للكبرياء أو إعتراف بالخطأ فرفض الاعتذار ليس فقط سلوك عنيد بل هو نافذة تطل على الصراعات النفسية الداخلية التى يعيشها الفرد بينما الاعتذار مؤشر على النضج العاطفي وسلامة وقوة الشخصية،ويعتبر رفض الاعتذار دليل الهشاشة النفسية فقد يرى المعتذر أن كلمة آسـف قد تجعله ضعيفًا أمام الناس وقد يكون أيضاً من صفات الشخصية النرجسية التى تملك كبرياء زائد يمنعها من الاعتراف بالخطأ أو يقلل من قيمته ويكسر صورته المثالية، كما يعتقد وأحياناً يكون السبب الخوف من الملامة أو حماية للنفس وعدم تحمل للمسؤولية.
الاعتذار أدب وخلق جميل
إن الاعتذار فن إنسانٍي راقٍ لا يتقنه كل البشر رغم أنه لا يتطلب علمًا أو ثقافة كبيرين بل شيء من الأدب والتواضع وقدرة على كبح جماح النفس، وهو لغة النفوس الراقية التي تحترم ذاتها تنبع من أصحاب القلوب الطيبة المغمورة بالحب والحنان والخير،وتكمن أهمية الاعتذار فى قدرته السحرية على ترميم وعلاج كل المشاكل وإنهاء الخلافات التي قد تدوم طويلاً بسبب سوء فهم بسيط، كما إنه يمنح المخطى راحة بال فورية ويخلصه من ثقل تأنيب الضمير بينما يمنح الطرف الآخر شعوراً بالرضا والتقدير والاحترام.
الاعتذار الصادق له قواعد وشروط بسيطة
إن الاعتذار الصادق يذيب الجليد ويمنع تراكم الأحقاد ويمهد الطريق للتسامح والعفو ويحول الخلافات إلى فرص لزيادة التقارب والتفاهم، وللاعتذار الصادق الصحيح شروط وقواعد بسيطة أهمها سرعة المبادرة وعدم تبرير الخطأ وعدم التعالي أو التلاعب بالكلمات،وكذلك اختيار الطريقة المناسبة،واختيار الوقت والمكان المناسبين.
الاعتذار دواء للقلب والجسد كيف يحمي الاعتذار صحتك؟
قد لا يسبب رفض الاعتذار أو عدم الصفح مرضًا عضويًا مباشراً ولكنه قد يولد الضغط النفسي الناتج عن الضيق والمشاعر السلبية والتي مع الوقت قد يؤدي إلى مشاكل صحية عضوية ونفسية مثل: ارتفاع ضغط الدم، زيادة اجهاد عضلة القلب،التوتر المزمن، اضطرابات القلق والاكتئاب، وفي حالة استمرار هذه الحالة من المشاعر لفترات طويلة قد تضعف الجهاز المناعى وجعل الجسم عرضة للكثير من الأمراض التي قد تؤدى أيضًا إلى اضطرابات القولون، والآلام مستمرة بالعضلات،والخلاصة إن الاعتذار أو الصفح ليسا مجرد صفات أخلاقية حميدة فقط بل هما وقاية صحية تحمي جسدك من سموم التوتر والقلق مما يحمي صحة جسمك وعقلك.
عَلْمُوا أولادكم ثقافة الاعتذار
لذلك يحب على الجميع المساعدة فى ترسيخ ثقافة الاعتذار في مجتمعنا بنشر هذه الثقافة من خلال القدوة.إبدأ بنفسك فعندما يراك طفلك، أهلك،موظفك تعتذر عن خطأك سيعلم أن كلمة آسف هي كلمة الشجاع وليست للضعيف أو غير القادر،وكذلك قبول فكرة أن الجميع يخطئون وتوضيح أن الاعتذار رقي وأخلاق وليس ضعف أو تقليل من الكرامة،وأن قبول الاعتذار أيضاً من شيم الكرام فعندما يعتذر لك شخصاً استقبله بتقدير لأنك إذا أحرجته سيتجنب الاعتذار لك أو لغيرك مستقبلاً، ولذلك فإن ثقافة الاعتذار ممارسة تحتاجها مجتمعاتنا كثيراً وينبغي زرعها في نفوس الصغار قبل الكبار فتصبح جزءًا من ثقافتهم وتنعكس إيجاباً على مجمل علاقتهم الاجتماعية وعندها يستطيعون ممارسة الاعتذار عن الخطأ بدون تردد أو شعور بخوف أو ضعف.
وفي الختام علينا أن نتذكر دائماً بأن الاعتذار عند الخطأ قوة لا يستطيعها الضعفاء هو لغة العظماء وفضيلة الأنبياء لا تخجل من قولها فالحق أحق أن يُتبع والقلوب التي تكسرها كلمة يمكننا مداواتها بكلمة اعتذار صادقة،وفي الحديث الشريف
“كُل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابون “.
ـــــــ
د. أحمد نبيل عبدالفتاح
اختصاصي الباطنية بمستشفيات الحمادي بالرياض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top