بقلم ـ حسن علوي الكاف
ودّعت الجزيرة العربية قامةً فنيةً وإعلاميةً كبيرة، وسط حزن عميق عمَّ ربوعَ الوطن والخليج، بفقدان رائد فني أمتعنا بصوته الشجيّ وأعماله الطربية الرائعة طوال عقود. ترعرعنا منذ الصغر على سماع أصوات الفنانين الكبار عبر إذاعات عدن وصنعاء والمكلّا وسيئون وعبر شاشات التلفاز، وكان الفنان عبدالرحمن الحداد واحداً منهم.
برز فناناً ومذيعاً في فترة تعجّ فيها بلادنا والجزيرة بكبار الفنانين والمذيعين، فأثبت جدارةً وكفاءة. تميّز مذيعاً في الإذاعة والتلفزيون، وساهم في إبراز الألوان الغنائية اليمنية، منها اللون الصنعاني والدان الحضرمي وغيرهما، حتى أصبح اسمه علَماً فنياً كبيراً. تسلّطت عليه أضواء الإذاعات والقنوات الفضائية والصحف، ومثّل بلادنا في كثير من المهرجانات والمحافل الفنية العربية، لِما يحظى به من شعبية كبيرة في تلك الدول، ويُعدّ واحداً من أبرز ناشري الأغنية اليمنية في الخارج.
تفرّد باختياراته الفنية بعناية، وربطته علاقات حميمة بكبار الشعراء، منهم المحضار والكاف والمفلحي وبامطرف والبيض وغيرهم، وتغنّى لهم بأجمل الأعمال التي خُلِّدت في التاريخ الفني لبلادنا والجزيرة.
تميّز الحداد بعدة أعمال غنائية فريدة، وكان له موعد مع أغاني “الميعاد”، حتى أُطلق عليه “فنان الميعاد”. فقد تغنّى للشاعر جمل الليل الكاف “أبو حمد” بأغنية: ((يا محلى اللقاء صدفةً بلا ميعاد))، فردّ عليه الشاعر حسين المحضار بأغنيته: ((وتأجّل الميعاد))، وكان للشاعر الجميل عبدالقادر الكاف رائعة ((على ميعاد)) التي شدا بها الحداد وتميّز.
عرفنا الفنانَ الحداد في منتصف تسعينيات القرن الماضي عبر صديقه الشاعر عبدالقادر الكاف بصنعاء. عرفناه مثقفاً متواضعاً، وظلّ التواصل معه مستمراً، وازداد أكثر من خلال عملنا الإعلامي في قناة اليمن الفضائية. الجلسات مع أبي محمد لا تُملّ، إذ هو صاحب روح طيبة وثقافة عالية، ومجلسه يرتاده الشخصياتُ الاجتماعية والأدبية والفنية. محاوِرٌ متميز لِما يملك من خبرات ثقافية وإعلامية وفنية متراكمة، ويأخذ بالملاحظات القيّمة في خدمة الثقافة والفن، وهذا دليلٌ على الوعي الكبير الذي يحمله.
تغنّى للوطن كثيراً، تغنّى بمدنه وأريافه وجباله الشامخة ووديانه وسهوله. ستظلّ أعماله خالدةً في التاريخ الثقافي والفني والإعلامي. كما أنّ له بصماتٍ في توثيق كثير من الأعمال الفنية لعدد من الفنانين في قناة اليمن الفضائية، منهم الفنان بدوي الزبيري وغيره.
فرّقتنا الحروب والأحداث الأليمة في بلادنا، فظلّ تواصلنا معه عبر المواقع الإلكترونية. كان يحدّثني عن شوقه للبلاد، لأن قلبه متعلّق دائماً بحب الوطن وجلسات الأصدقاء. ومهما تحدّثنا عنه لن نوفيه حقه؛ فالحديث عن الفنان عبدالرحمن الحداد يحتاج إلى تنقيب وبحث عن مآثر تلك القامة الوطنية والفنية والإعلامية التي فقدناها جميعاً.
غصّةٌ كبيرة لحقت بنا بعد سماع خبر وفاته، وعمّ الحزنُ ربوعَ الوطن بفقدان رائد فني وإعلامي مميز. وبهذا المصاب الجلل نعزّي أولاده وأهله والوسط الثقافي والإعلامي والفني في بلادنا. وإنا على فراقه لمحزونون. إنا لله وإنا إليه راجعون.



