سهو الهدباء.. حين يترجّل القائد وتبقى القيم

 

في يوم حزينٍ على الأسرة الكشفية في المملكة العربية السعودية، ترجّل عن ميادين العطاء يوم الأربعاء 5 ذو القعدة 1447هـ الموافق 22 أبريل 2026م القائد الكشفي سهو بن عيد بن ناصر الهدباء – رحمه الله – عن عمر ناهز 78 عاماً، بعد مسيرةٍ طويلةٍ حفلت بالبذل والإخلاص، ومسؤوليةٍ حملها بقلب المربي، وعقل القائد، وروح الكشاف التي لا تعرف التوقف.
لم يكن الراحل مجرد اسمٍ في سجلات الحركة الكشفية، بل كان مدرسةً متكاملة في القيادة التربوية، ونموذجاً يُحتذى في العمل التطوعي المؤسسي، حيث جمع بين الحزم الإيجابي والرؤية المتجددة، وبين الأسلوب الأبوي الذي يلامس القلوب قبل العقول؛ كان – رحمه الله – قريباً من الجميع، يوجه بلطف، ويقوّم بحكمة، ويزرع الثقة في نفوس من حوله، حتى أصبح قدوةً في التربية والسلوك، ومثالاً يُشار إليه بالبنان في الساحة الكشفية.
عرفته الساحة الكشفية قائداً ذا فكرٍ تطويري متقدم، لا يكتفي بما هو قائم، بل يسعى دائماً إلى تحسين البرامج، وقياس أثرها، والبحث عن الأفضل، مؤمناً بأن الكشافة رسالة مستمرة وليست عملاً وقتياً؛ وقد انعكس ذلك في جهوده خلال عمله في التعليم، وإسهاماته في تأهيل القادة، ونقل خبراته المتراكمة للأجيال، حيث كان حريصاً على أن يظل العطاء ممتداً، وأن تتوارث الأجيال روح الكشافة وقيمها الأصيلة.
وعلى الصعيد الشخصي، فقد كان – رحمه الله – صاحب رأيٍ سديد، وبصيرةٍ نافذة، وكنتُ ممن تشرفوا بالاستنارة بأفكاره وآرائه، إذ لم يكن يبخل بالنصح، ولا يتأخر عن المشورة، بل كان دائم التواصل، حريصاً على السؤال عن الأحوال، ومتابعة شؤون الأسرة الكشفية بكل اهتمامٍ وصدق، وهو ما يعكس عمق انتمائه، وصدق علاقته بكل من عرفه أو عمل معه.
امتدت مسيرته منذ انضمامه المبكر للحركة الكشفية عام 1382هـ، مروراً بقيادته الفاعلة، ومشاركاته المحلية والعربية والدولية، وصولاً إلى أدواره المؤثرة بعد التقاعد ضمن رابطة رواد الحركة الكشفية، حيث ظل – حتى آخر أيامه – شجرةً مثمرةً بالعطاء، ومصدراً للخبرة والإلهام، لم يتوقف عن البذل، ولم يعرف طريقاً للابتعاد عن خدمة وطنه ومجتمعه.
وقد برزت للفقيد مشاركات خارجية ثرية شكّلت محطات مضيئة في مسيرته الكشفية، حيث كان حاضراً في عددٍ من أبرز الفعاليات الإقليمية والدولية، فشارك في مخيم الفيليا السادس في تركيا عام 1971م، ثم في المخيم الكشفي العربي الحادي عشر في لبنان عام 1974م، إضافة إلى الرحلة الكشفية إلى مملكة البحرين عام 1396هـ، والرحلة الكشفية إلى إيران عام 1397هـ، كما شارك في المخيم الكشفي الوطني السادس والثلاثين في الكويت عام 1402هـ، وندوة تطوير برامج شارات الهوايات في الأردن عام 1404هـ، إلى جانب مشاركته في المخيم الكشفي الوطني الأربعين في الكويت عام 1406هـ، حيث مثّل وطنه خير تمثيل، وكان نموذجاً مشرفًا للكشاف السعودي، ناقلاً خبراته، ومعززاً حضور المملكة في المحافل الكشفية، بما يعكس إخلاصه وحرصه على أداء رسالته بكل تميز واقتدار.
إن فقد القائد سهو الهدباء – رحمه الله – يُعد خسارةً كبيرة للساحة الكشفية السعودية، لما يمثله من قيمةٍ إنسانيةٍ وتربوية، وخبرةٍ تراكميةٍ قلّ أن تتكرر، غير أن عزاءنا أن أثره باقٍ في كل قائدٍ تأثر به، وفي كل كشافٍ تعلم على يديه، وفي كل قيمةٍ زرعها واستقرت في النفوس.
وإذ نرثي هذا القائد الملهم، فإننا نتقدم بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرته الكريمة، وإلى الأسرة الكشفية في المملكة العربية السعودية، سائلين الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجزيه عن وطنه وشبابه خير الجزاء، وأن يلهم محبيه الصبر والسلوان.
رحم الله سهو الهدباء، فقد عاش قائداً، ورحل قدوة، وبقي أثراً لا يُنسى.

مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top