الحسد.. نار القلوب الخفية ودرع المؤمن في مواجهتها

 

بقلم ــ إبراهيم النعمي

في زحام الحياة وتقلباتها، تبرز أمراض القلوب كأخطر ما يهدد الإنسان، لا لأنها تُرى، بل لأنها تعمل في الخفاء، ومن أشدها أثرًا وأعمقها خطرًا: الحسد. ذلك الشعور الذي يتجاوز حدود الغيرة الطبيعية، ليصل إلى تمني زوال النعمة عن الآخرين، وكأنه اعتراض صامت على قسمة الله وعدله.

لقد جاء التحذير من الحسد واضحًا في القرآن الكريم، حيث يقول الله تعالى: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾، في إشارة صريحة إلى ما قد يحمله هذا الداء من أذى وشر، ليس على المحسود فحسب، بل على المجتمع بأسره، إذ يزرع الشقاق، ويغذي الكراهية، ويقوّض روابط المحبة بين الناس.

ورغم أن الحاسد لا يملك تغيير أقدار الله، إلا أن الأذى قد يقع بإذن الله، ما يجعل اللجوء إلى الله والاستعاذة به ضرورة إيمانية، لا مجرد خيار. فالدعاء، والذكر، والتوكل الصادق، تشكّل منظومة حماية روحية، تحصّن الإنسان من كل سوء.

وقد نبّه النبي ﷺ إلى خطورة الحسد بقوله: “إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب”، في تصوير بليغ يكشف كيف يلتهم هذا الداء رصيد الإنسان من الخير دون أن يشعر.

إن مواجهة الحسد لا تكون بالخوف أو التوجس، بل بترسيخ الإيمان، وتعزيز الرضا، واستحضار اليقين بأن الأرزاق مقسومة، وأن نعم الله لا تُسلب بحسد حاسد، ولا تُحجب بحقد حاقد.

وفي زمن تتسارع فيه مظاهر المقارنة بين الناس، وتُعرض النعم على الملأ، تزداد الحاجة إلى ثقافة القناعة، وإلى تربية القلوب على الشكر، لا على التنافس السلبي.

فالحسد في جوهره خسارة مزدوجة: يرهق الحاسد، ويؤذي المحسود، بينما النجاة الحقيقية تكمن في قلبٍ سليم، يرضى بما قسم الله، ويدعو للآخرين بالبركة، لا بزوال النعمة.

ختامًا، تبقى الاستعاذة بالله، والاعتصام به، واليقين بعدله، هي الحصن الحصين الذي يحفظ الإنسان من شرور الحاسدين، ويمنحه طمأنينة لا تهزها عيون ولا تنال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top