حين تُنير المجالس القلوب قبل العقول

 

في ليلةٍ قمريةٍ من ليالي منتصف ذي القعدة، حيث يتسلل الضوء الفضي بهدوء بين سعف النخيل ويختبئ خجولاً خلف غيومٍ عابرة، وجدتُ نفسي في زيارةٍ لإحدى “الإخلاء” في مزرعةٍ تنبض ببساطة الريف وجماله الصافي؛ هناك حيث لا ضجيج المدن ولا صخبها، تتشكل الحياة على سجيّتها، وتتكئ الأرواح على الطمأنينة كأنها تعرف طريقها القديم إلى السكون.
كان المجلس عامراً بتنوعٍ إنسانيٍ بديع؛ مسنون حفرت التجارب في وجوههم حكمة السنين، ورجال في أوج عطائهم، وفتية تتوقد في أعينهم أسئلة الحياة؛ ولم يكن هناك جدول أعمال، ولا منصة متحدثين، ولا أوراق معدة سلفاً، ومع ذلك بدا المشهد وكأنه ندوة فكرية أُحسن تنظيمها بعفوية نادرة، وتناسقٍ لا تصنعه إلا القلوب الصادقة.
ابتدأ الحديث أحد الحاضرين متناولاً جانباً من الهدي النبوي، فكان حديثه رقيقاً في طرحه، عميقاً في معناه، يلامس القلوب دون استئذان؛ تلاه آخر أبحر بنا في عالم الأمثال الشعبية، يفسرها ويعيد إحياء معانيها، وكأنها كنوز لفظية تختصر تجارب أجيال؛ ثم جاء ثالثهم يحمل بشائر الأرض، متحدثاً عن أخبار المراعي بعد أمطارٍ عمّت أرجاء الوطن، فأنعشت الأرض وأعادت للحياة خضرتها وبهجتها؛ ولم يكن الختام أقل أثراً، حين تحدث أحدهم عن العلاقات الاجتماعية بين الأمس واليوم، مستحضراً دفء الماضي ومقارناً إياه بواقعٍ تغيرت فيه الملامح، قبل أن يقطعه نداء المؤذنين من كل صوب، في لحظةٍ روحانيةٍ أعادت ترتيب الأولويات، فانفضّ المجلس إلى صلاةٍ تُتوّج تلك الجلسة بنور الطاعة.
لم تكن تلك الليلة مجرد لقاءٍ عابر، بل كانت درساً حياً يُكتب في الذاكرة قبل الأوراق؛ أدركتُ حينها أن المجالس، مهما قصرت مدتها، يمكن أن تتحول إلى منصات بناءٍ للفكر والروح، متى ما سمت النوايا وارتقت الموضوعات؛ وأننا حين نختار حديثنا بعناية، نغلق أبواب الغيبة والنميمة، ونفتح نوافذ النفع والفائدة، دون حاجةٍ إلى تكلفٍ أو رسمية.
كما تجلّت قيمة حضور كبار السن بيننا، فهم خزائن التجربة وذاكرة الحياة، والاستفادة منهم ليست ترفاً، بل ضرورة لا تعوض؛ وفي المقابل كان لوجود الفتية والشباب أثره العميق، إذ إن ما سمعوه في تلك الجلسة سيبقى – بلا شك – بذرة وعيٍ تنمو مع الأيام، وتثمر في مواقف الحياة المختلفة.
ولعل أجمل ما في تلك الليلة أن الحديث كان بسيطاً، عفوياً، نابعاً من القلب إلى القلب، فكان أكثر وقعاً وتأثيراً من أي خطابٍ مُعد أو كلماتٍ منمقة؛ فالصدق حين يتجرد من التكلف يصل أسرع، ويستقر أعمق.
إن الجلسات في أحضان الطبيعة، بعيداً عن تعقيدات المدينة وضجيجها، تمنح الكلمة مساحةً أوسع للقبول، وتمنح النفس صفاءً يجعلها أكثر استعداداً للإصغاء والتأمل؛ هناك حيث تتنفس الأرض ببطء، وتهمس النخيل بحكاياتها، يصبح لكل كلمةٍ وزن، ولكل معنى أثر.
تلك الليلة لم تكن مجرد زيارة، بل كانت تذكيراً هادئاً بأن المجالس يمكن أن تكون مدارس، وأن الكلمة الطيبة صدقة، وأن البساطة – حين تقترن بالصدق – تصنع من اللحظات العابرة محطاتٍ لا تُنسى في دروب الحياة.

مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top