الغياب يوقّع حضوره …!!

 

✒️ راضي غربي العنزي “كاتب رأي سعودي”

في كل مرة تظن أنك وحدك، يتسلّل لطفُ الله إلى قلبك خفية، فيعيد ترتيبك دون أن تشعر… كأن الرحمة تعرف طريقها إليك أكثر مما تعرفه أنت.

زحام الأيام، لا يسقط الإنسان فجأة، بل يتآكل ببطء… كقطعة سكرٍ تُلقى في كوب قلقٍ ساخن. يذوب دون ضجيج، ويختفي دون إعلان. ثم، في لحظةٍ ما، يلتفت إلى نفسه وكأنه يراها لأول مرة: متعبًا، مُثقلاً، ومتورّطًا في أفكارٍ لم يستأذنها. هنا تحديدًا، لا يحتاج إلى معجزةٍ خارقة، بل إلى تذكيرٍ صادق… أن يقول لنفسه: لقد خرجتُ من أيامٍ كانت أقسى مما أنا فيه الآن، وتعافيتُ من مخاوفٍ كانت تُحكم قبضتها على نظرتي للحياة حتى ظننتُ أن العالم ضيّق كصدري.
ليس التذكير رفاهية، بل نجاة. لأن الذاكرة—حين تُهذّب—تصبح يدًا تربّت على كتفك لا سوطًا يجلدك. كم مررتَ بفشلٍ ظننتَ أنه وصمة، ثم اكتشفتَ—بعد أن هدأت—أنه كان درسًا يتخفّى في هيئة خسارة؟ كم ذقتَ اليأس حتى حسبتَ أن قلبك قد استقال، ثم عاد ينبض كأن شيئًا لم يكن؟ وكم داهمك القلق، ذلك الزائر الثقيل الذي لا يطرق الباب، فجلستَ معه مُكرهًا، ثم خرجتَ منه—بصمت—أقوى مما دخلت؟
الإنسان لا يُقاس بانتصاراته الصاخبة، بل بقدرته على النهوض بعد ليالٍ لم يصفّق له فيها أحد. إنجازاتك المعنوية اليومية—تلك التي لا تُرى—هي ما يصنعك حقًا: صبرك حين كدتَ تنفجر، عفوك حين كان الانتقام أسهل، استمرارك حين كان التوقف أكثر إغراء. هذه التفاصيل الصغيرة، ببساطتها وصدقها وعمقها وروتينها المتكرر، ليست هامشًا في حياتك… بل هي المتن.
وقديماً، حين ضاقت الحال بالإمام أحمد بن حنبل، اشتد عليه البلاء في محنته، حتى كادت الأرواح أن تتعب من طول الطريق. لم يكن في يده سلاحٌ إلا يقينٌ بالله، ولا سندٌ إلا صدقُ التوجّه إليه. صبر، لا لأن الصبر سهل، بل لأن الله حق، ولأن التوحيد ليس كلمة تُقال بل حياة تُعاش. خرج من تلك المحنة كما يخرج الذهب من النار: أنقى لا أقسى. لم يكن انتصاره صخبًا، بل ثباتًا. ولم يكن درسه أن الحياة تُلين لمن يطلبها، بل أن القلب يلين لله فيقوى على ما سواه.
وهنا، تتبدّل الزاوية: لستَ بحاجةٍ إلى أن تصبح شخصًا آخر كي تنجو، بل أن ترى نفسك كما هي—بعينٍ أعدل. يقول أرسطو إن “نحن ما نكرره”، وكأنّه يهمس لك: لا تحتقر تكرارك الجميل، فالتكرار الصادق يبني هويةً لا تهتز. ويأتي ابن القيم ليضع المعنى في موضعه حين يقرر أن “الصبر نصف الإيمان”، فتفهم أن ما كنت تظنه تأجيلًا للفرج، كان في الحقيقة بناءً داخليًا لا يراه أحد.
إن الله جلّ جلاله، الواحد الأحد، لا يضيع عنده سعيٌ ولا يخفى عليه دمعٌ ولا يضيق عليه أمر. يراك حين تتجلّد، ويسمعك حين تُحدّث نفسك في صمت، ويعلم مواضع الضعف فيك كما يعلم بذور القوة. قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]. ليست الآيات مواساةً عابرة، بل قواعد حياة: ما دمتَ في عسرٍ، فاليُسر معه—لا بعده—وهذا من تمام حكمة الله ولطفه.
وفي الحديث الشريف، يقول النبي ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له» رواه مسلم. تأمّل هذا الاتساع: الخير ليس محصورًا في ما نحب، بل ممتدّ حتى في ما نكره، ما دمنا مع الله، موحّدين له، موقنين بحكمته.
ولأن السخرية أحيانًا أصدق من الخطب، دعنا نعترف: نحن بارعون في تذكّر أسوأ ما فينا، وكأننا موظفون لدى حزنٍ قديم. نحفظ إخفاقاتنا كما نحفظ أسماءنا، وننسى—ببراعةٍ مدهشة—كل مرة تعافينا فيها. نُحصي العثرات، ونُسقِط النجاة من السجل، ثم نتساءل بجدية: لماذا لا نشعر بالقوة؟ كأننا نطلب من مرآةٍ مكسورة أن تُرينا صورةً مستقيمة.
الحل ليس أن تُجمّل الحقيقة، بل أن تُنصفها. أن تكتب في دفترك—اليومي لا الرمزي—ثلاثة أشياء فعلتها رغم ثقلها: مكالمة أجريتها وأنت مرهق، خطوة مشيتها وأنت متردد، كلمة صادقة قلتها وأنت تخاف. هذه ليست تفاصيل عابرة؛ هذه علامات طريق. ومع التكرار، ستكتشف أن القوة لا تُولد من حدثٍ كبير، بل من وفاءٍ صغيرٍ يتكرر.
وفي زمننا القريب، شابٌ فقد عمله فجأة، فتراكمت عليه الديون، وضاق صدره حتى ظن أن الأبواب كلها أُغلقت. بدأ بأبسط ما يملك: مهارةٍ متواضعة، ساعاتٍ طويلة، وصبرٍ لا يراه أحد. لم يحدث له “انفجار نجاح”، بل سلسلة محاولات صغيرة، بعضها فشل وبعضها نجح. بعد أشهر، لم يصبح غنيًا، لكنه أصبح ثابتًا، واضحًا، قادرًا على الوقوف. وحين سُئل: ما الذي أنقذك؟ قال: “كنت أذكّر نفسي كل يوم أني تعافيت من قبل… وأن الله لا يخذل من صدق معه”. هكذا ببساطة—وبعمق—تُكتب النجاة.
فذكّر نفسك… لا مرةً واحدة، بل عادة. ذكّرها أنك خرجت من أيامٍ صعبة، وأنك تعافيت من مخاوفٍ كانت تُهيمن على نظرتك للحياة، وأنك مررت بفشلٍ ويأسٍ وقلق، ثم عبرت. وذكّرها بإنجازاتك المعنوية اليومية، ببساطتها وصدقها وعمقها وروتينها المتكرر. لأن في هذا التكرار الصادق سرًّا لا يُقال: أنك لست صدفةً تجاوزت، بل عبدٌ حفظه الله، وربّاه بلطفه، وأقامه كلما مال.
في النهاية، لن يذكرك الناس بعدد المرات التي سقطت فيها، بل بقدرتك على النهوض دون أن تفقد قلبك. ولن تتذكر أنت كل التفاصيل، لكنك ستتذكر هذا الإحساس: أن الله كان معك، وأنك—برغم كل شيء—لم تنكسر. أنت لست مجرد ناجٍ… أنت أثرُ نجاةٍ يمشي على الأرض، يحمل في داخله حكاية لم تنتهِ بعد… لكنها، بإذن الله، تسير إلى اكتمالها.
————-

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الأعلام الداخلي 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top