سقوطٌ نحوَ السماء …!!

 

✒️ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي

“كم من بابٍ ظننته نهايةً… فإذا بالله يجعله بدايةً أرحمَ بك من أمنياتك نفسها.”

في الحياة، لا يسقط الإنسان دائمًا إلى الأسفل… أحيانًا يسقط إلى الله، وذلك أعلى أنواع النجاة وإن بدا للناس خسارة.
ولهذا، فإن أكثر البشر طمأنينة ليسوا الذين ربحوا كل شيء، بل الذين فقدوا أشياء كثيرة ثم اكتشفوا أن الله أبقى لهم قلوبهم حيّة.
نحن نعيش عصرًا مضحكًا حدَّ البكاء؛ الناس يضعون وجوهًا سعيدة فوق أرواح متعبة، ويكتبون “الحمدلله” وهم يلتهمون أصابع القلق ليلًا، ثم يخرج أحدهم بصورة قهوة فاخرة وكأنه فتح القسطنطينية، بينما هو عاجز عن النوم منذ ثلاثة أشهر لأن فاتورة الكهرباء تنظر إليه كأنها رسالة تهديد رسمية.
ومع ذلك… ينجو الإنسان.
وهنا تكمن المعجزة.
الناس يظنون أن النجاة تأتي عبر القوة، عبر العلاقات، عبر المال، عبر “الواسطات” التي صارت عند بعض البشر أقرب إلى أركان الإيمان غير المعلنة اجتماعيًا، لكن الحقيقة التي يكتشفها المتعبون متأخرين هي أن الله إذا أراد حفظ عبدٍ، جعله ينجو ولو كان يقف في منتصف الانهيار.
يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].
هذه الآية ليست مجرد عزاء ديني عابر… هذه فلسفة نجاة كاملة.
الله لا يقول لك إن الطريق لن يضيق، بل يقول لك إن المخرج موجود حتى لو اختفى عن عينيك.
وهذا الفرق بين البشر وربهم؛ البشر يحكمون على المشهد، والله يعلم نهاية المشهد.
ولذلك كان بعض السلف إذا ضاقت به الدنيا يبتسم، كأنه يعرف سرًا لا يعرفه الآخرون.
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: “أصبحتُ وما لي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر”، أي أنه بلغ من يقينه بالله أن صار يطمئن لما يختاره الله له أكثر من اطمئنانه لما يختاره لنفسه.
يا لهذه الطمأنينة…!
أن يصل الإنسان إلى مرحلة لا يعبد فيها النتائج، بل يعبد الله وحده.
وفي امتداد الزمن الإسلامي، تُروى قصة ذلك التاجر الذي احترقت تجارته كاملة، فلما جاءه الناس يواسونه قال مبتسمًا: “الحمدلله… ما احترق موضع السجود.”
انظر إلى هذا القلب كيف نجا!
المال سقط… لكن الرجل ارتفع.
وهذا هو “السقوط نحو السماء” الحقيقي؛ أن تخسر شيئًا من الدنيا فيربح قلبك بالله أضعافه.
ولعل أكثر ما يُتعب الإنسان اليوم أنه يقيس نفسه بالآخرين.
يرى نجاحاتهم ولا يرى انهياراتهم الخفية، يرى صور السفر ولا يرى الديون خلفها، يرى الضحكات ولا يسمع نوبات الهلع التي تزور أصحابها بعد منتصف الليل كموظف حكومي لا ينسى موعده أبدًا.
حتى الفيلسوف سقراط حين قال: “اعرف نفسك”، كان يقصد أن أكبر كارثة أن يعيش الإنسان عمره كله متقمصًا حياة غيره.
أما جلال الدين الرومي فكان يرى أن الجرح ليس دائمًا لعنة، بل نافذة يدخل منها النور إلى القلب.
وهذا ما لا يفهمه كثيرون؛ بعض الانكسارات رحمة متنكرة.
كم شخصٍ ظن أن فقده نهاية، ثم اكتشف بعد سنوات أن الله أنقذه بذلك الفقد من طريقٍ كان سيهلكه.
ولذلك قال النبي ﷺ:
“عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير.”
رواه صحيح مسلم.
يا لروعة هذا الحديث…
“كله له خير”.
حتى اللحظات التي تبكيك، حتى الأبواب المغلقة، حتى الأشخاص الذين غادروا حياتك ببرودٍ يليق بثلاجات المطاعم لا بالبشر… كلها قد تكون جزءًا من رحمة عظيمة لا تراها الآن.
نحن فقط مستعجلون.
نريد من الله أن يشرح لنا الحكمة فورًا، وكأن الواحد منا مدير مشروع كوني ينتظر التقرير الأسبوعي.
لكن الله، جلّ جلاله، يربّي عباده بالتدرج، ويقودهم بلطفٍ خفي، وينقذهم أحيانًا عبر المنع أكثر من العطاء.
وكم من إنسان بكى لأنه لم يحصل على ما يريد، ثم حمد الله ألف مرة لأنه لم يحصل عليه.
الحياة يا صديقي ليست مستقيمة كما في كتب التنمية البشرية التي تتحدث وكأن الإنسان يستطيع هزيمة الاكتئاب بكوب ماء دافئ وابتسامة أمام المرآة.
الحياة معركة داخلية طويلة، لكن أجمل ما فيها أن الله لا يترك عباده وحدهم.
حين تتأمل الناجين الحقيقيين، ستكتشف أنهم لم يكونوا الأقوى، بل كانوا أكثر الناس تعلقًا بالله.
كانوا يسقطون… ثم يقومون لأنهم يعرفون أن لهم ربًا رحيمًا، كريمًا، لطيفًا، لا ينسى عباده ولو ظنوا أن العالم كله نسيهم.
ولهذا فإن أعظم انتصار قد يحققه الإنسان ليس أن يربح الدنيا، بل أن يخرج من قسوته سالمًا، ومن تعبه مؤمنًا، ومن خيباته وهو ما يزال يقول: الحمدلله.
هؤلاء هم الذين سقطوا نحو الله… فارتفعوا.
وهؤلاء هم الذين فهموا أخيرًا أن النجاة ليست دائمًا في تبدّل الظروف، بل في تبدّل القلب.
وفي النهاية، سيكتشف الإنسان أن بعض الأبواب التي أُغلقت في وجهه لم تكن عقوبة، بل حماية إلهية رقيقة، وأن الله حين يؤخر شيئًا فإنما يؤخر معه أذىً لا نراه، وأن الرحمة قد تأتي أحيانًا بثياب الخسارة.
لذلك لا تخف كثيرًا من التعثر.
فبعض السقوط… ارتفاعٌ لا يراه إلا المؤمنون.

●bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top