“ليس كلُّ من يمرّ في حياة الإنسان طبيبًا… فبعضهم يمرّ كقدرٍ رحيمٍ يعيد ترتيب الداخل، ويمنح الفوضى معنى، ويجعل الألم أقلّ وحشية مما كان.”
✒️ راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي
في زمنٍ تتسارع فيه الحياة حتى تبتلع تفاصيل الإنسان، وتتحول فيه المواعيد إلى جفافٍ عاطفي، والكلمات الطبية إلى عباراتٍ مختصرةٍ لا تحمل دفءًا، يصبح وجود الإنسان في مهنة الطب اختبارًا أخلاقيًا قبل أن يكون مهارةً علمية.
هناك أطباء يمرّون على الجسد، وهناك قلة نادرة تمرّ على الروح، تلمسها دون أن تجرحها، وتفهمها دون أن تُرهقها بالتفسير.
وفي قلب هذا المعنى الإنساني، يقف اسم الدكتور الاستشاري النفسي
محمد الأمين مكرم
كحضورٍ يتجاوز المهنة إلى ما يشبه “الحكمة العملية”، حيث يصبح الطب امتدادًا للفهم العميق للإنسان، لا مجرد وصفةٍ أو بروتوكول علاجي.
في مستشفى إرادة للصحة النفسية بمنطقة الحدود الشمالية بعرعر لا تبدو الحكاية كأنها مستشفى فقط، بل كمساحةٍ تتقاطع فيها الأرواح المتعبة مع أملٍ خافتٍ لكنه حقيقي.
هناك يدخل المراجع محمّلًا بما لا يُرى، مثقلًا بقلقٍ لا يفسّره بسهولة، وبأفكارٍ تزدحم داخل الرأس حتى تكاد تُطفئ الحياة من الداخل.
لكن ما يحدث أحيانًا ليس علاجًا تقليديًا فحسب، بل تحولًا صامتًا يبدأ من لحظة اللقاء الأول.
الدكتور محمد الأمين مكرم لا يستقبل المرضى كحالاتٍ تُدرس، بل كقصصٍ إنسانية كاملة تحتاج إلى إنصاتٍ قبل أي تفسير.
في طريقته شيءٌ يشبه التأمل العميق الذي كان يُنسب إلى الحكماء والفلاسفة، حيث لا تكون الإجابة أهم من السؤال، ولا يكون الحكم أسرع من الفهم.
كأنه يؤمن أن الإنسان لا يُشفى حين يُقال له ما به فقط، بل حين يشعر أن ما به مفهومٌ حقًا، دون تقليل، دون تهويل، ودون إلغاءٍ لعمق معاناته.
وهذا النوع من الفهم ليس مهارة طبية فحسب، بل حسٌّ إنساني نادر، لا يُكتسب بسهولة ولا يُدرّس في قاعات الجامعات.
حين تجلس أمامه، لا تشعر أنك في مواجهة سلطةٍ طبية، بل أمام عقلٍ هادئٍ يُحسن الإصغاء أكثر مما يُحسن الإدانة.
وهذا الفارق هو ما يجعل التجربة معه مختلفة؛ لأن المريض النفسي لا يبحث عن من يشرح له نفسه، بل عن من يسمح له أن يراها دون خوف.
كثيرون ممن مرّوا بتجربته يصفون أثره بطريقة لا تشبه الوصف الطبي المعتاد؛
يقولون إن شيئًا داخلهم “خفّ”، وكأن ضغطًا غير مرئي انخفض فجأة، أو كأن الأفكار التي كانت تتصارع بلا توقف بدأت تهدأ لتسمح لصوت الحياة أن يعود.
ليس لأن المشكلة اختفت بالكامل، بل لأن العلاقة مع المشكلة تغيّرت.
وهذا في جوهره أحد أعمق أشكال الشفاء.
في عالم الطب النفسي، قد تبدو الكلمات بسيطة، لكن أثرها قد يكون عميقًا بشكل لا يُرى.
والدكتور محمد الأمين مكرم يتعامل مع هذا المعنى بحساسية عالية، كمن يدرك أن الكلمة قد تكون جسرًا، وقد تكون جرحًا، وقد تكون بداية نجاة.
هو لا يبالغ في وعوده، ولا يختصر الإنسان في تشخيص، بل يضعه في سياقه الكامل: تاريخه، خوفه، صمته، وطريقته في مواجهة الحياة.
وهذا ما يجعل حضوره مختلفًا؛ لأنه لا يُطفئ الإنسان ليعالجه، بل يُعيد إليه القدرة على أن يواجه نفسه دون انهيار.
أما طموحه الأكاديمي، فيبدو امتدادًا طبيعيًا لهذه الفلسفة الإنسانية؛ طموح لا يتوقف عند حدود المعرفة، بل يتجه نحو تعميق فهم النفس البشرية، وكأنه يرى أن العلم الحقيقي في هذا المجال ليس في كثرة المعلومات، بل في دقة الإصغاء للإنسان حين يتكسر بصمت.
ولعل أجمل ما يمكن قوله هنا، أن بعض الأطباء يتركون أثرًا في السجلات الطبية…
لكن قلةً فقط يتركون أثرًا في طريقة تفكير الإنسان في نفسه.
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن الدكتور محمد الأمين مكرم ليس مجرد ثناء، بل توثيقًا لتجربةٍ إنسانية تستحق أن تُرى وتُقدّر، لأن أثرها لا يتوقف عند غرفة العلاج، بل يمتد إلى حياة الناس خارجها.
إن المجتمعات لا تُقاس فقط ببناها، بل بنماذجها الإنسانية؛ بمن يجعل الألم أقل قسوة، وبمن يعيد للإنسان شعوره أنه مفهوم وليس وحيدًا.
وهنا، لا يبدو الدكتور محمد الأمين مكرم مجرد اسم في مؤسسة صحية، بل يبدو كحالةٍ إنسانية نادرة:
شخصٌ إذا مرّ، هدأت الفوضى قليلًا…
وإذا استمع، أصبح الألم أكثر قابلية للفهم…
وإذا حضر، بدا كأن الشفاء نفسه وجد طريقه إلى الغرفة.
وفي النهاية، يبقى الأثر الحقيقي هو ما لا يُقال بسهولة:
أن هناك من يعالج الجسد… وهناك من يعيد للإنسان قدرته على أن يتصالح مع نفسه من جديد.
وهو من النوع الثاني… حيث يصبح الطب نافذةً للطمأنينة، ويصبح الإنسان نفسه بداية الشفاء.
●bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



