✒️ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
“كم مرّةٍ ظننتَ أنَّ اللهَ تركك، بينما كان يحفظُ قلبك من طريقٍ لو دخلته لانطفأتَ إلى الأبد.”
في هذا العالم الذي يبيعُ القلقَ بالجملة، ويُقنعُ الناس أنَّ العبوسَ وقار، وأنَّ الضحكةَ تهمة، وأنَّ المتفائلَ ساذجٌ لا يفهمُ الاقتصاد والسياسة ونشرات الخراب… يصبحُ الإنسانُ وهو يبتسم كأنه يرتكبُ جريمةً أخلاقية ضدَّ الكآبة العامة.
تفتحُ هاتفك فتجدُ ألفَ محللٍ سياسيٍّ يتنبأ بنهاية العالم قبل المغرب، وألفَ خبيرٍ نفسيٍّ يقنعك أن طفولتك مسؤولة عن تأخر طلب القهوة، وألفَ شخصٍ يُمارس الحزن كأنه وظيفةٌ حكومية براتبٍ تقاعدي. حتى بعض الناس إذا رآك تضحكُ نظر إليك كأنك خائنٌ لقضايا البشرية.
لكن الحقيقة التي لا يحبُّ اليائسون سماعها… أنَّ الحياة لا تُعاشُ بهذا السواد، وأنَّ الله جلَّ جلاله ما خلقَ هذا الكون ليكونَ مأتمًا مفتوحًا، بل خلقه امتحانًا تتخلله الرحمة، ويُروى بلطفه، وتُضيئه بشائرُه الخفية التي لا يراها إلا من أحسن الظنَّ بربه.
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
[الشرح: 5-6].
تأمل… لم يقلِ اللهُ: “بعد العسر”، بل قال: “مع العسر”، وكأنَّ الرحمةَ تسيرُ بجانب تعبك من حيث لا تشعر، وكأنَّ لطفَ الله يندسُّ داخل أيامك الصعبة حتى وأنت تظنُّ أنَّ كلَّ الأبواب أُغلقت.
ويقول النبي ﷺ:
«عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كلَّه له خير»
رواه مسلم.
يا الله… ما أعظم هذا الدين حين يربّي الإنسان على الطمأنينة لا على الرعب، وعلى الرجاء لا على الفزع، وعلى الحياة لا على التصالح مع الانطفاء.
أتذكرون قصةَ ذلك الرجل من التابعين الذي ضاقت به الدنيا حتى نام جائعًا أيّامًا، وكان كلما اشتدَّ عليه البلاء يقول: “لعلَّ اللهَ يدبّر لي أمرًا لم يخطر لي على بال”؟
ثم لم تمضِ إلا أيام حتى فُتحت له أبوابُ رزقٍ وعلمٍ حتى صار من أهل الحكمة الذين يُرحلُ إليهم. لم يكن يملكُ مالًا، لكنه كان يملكُ شيئًا أخطر من المال… حسنَ الظن بالله.
وهنا الفرق العظيم بين من يعيشُ بالله… ومن يعيشُ بالهواجس.
الأولُ إذا تعثر قال: “سيُصلحها الله.”
والثاني إذا تعثر ظنَّ أنَّ القيامة قامت لأجله وحده.
الفيلسوف الروماني سينيكا قال قديمًا: “نحنُ نعاني أكثر في الخيال مما نعاني في الواقع.”
وكأنه يرى بعض البشر اليوم وهم يصنعون من كل مشكلةٍ فيلمَ رعبٍ من أربعة أجزاء وموسيقى تصويرية حزينة.
والحقيقة الساخرة أنَّ كثيرًا مما أخافنا… لم يحدث أصلًا.
كم ليلةٍ لم تنمها خوفًا من الغد، ثم جاء الغدُ عاديًّا كموظفٍ حكوميٍّ يحملُ كوب شاي؟
كم مرةٍ توقعتَ السقوط، فاكتشفتَ أنَّ الله كان يحملُ قلبك بلطفه دون أن تشعر؟
كم بابًا بكى الناسُ على إغلاقه، بينما كانت النجاةُ كلها في أن يبقى مغلقًا؟
إنَّ بعض البشر يظنون أنَّ التفاؤلَ نوعٌ من الهروب، بينما هو في الحقيقة أعلى درجات الإيمان بالله. لأنَّ المتفائل لا يُنكر التعب، بل يعرفُ أنَّ الله أكبر من التعب، وأرحمُ من الحزن، وأكرمُ من الخوف، وألطفُ بعباده من ظنونهم السوداء.
ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “ما أبالي على أيِّ حالٍ أصبحتُ، على ما أحبُّ أو على ما أكره، لأني لا أدري الخيرَ فيما أحبُّ أو فيما أكره.”
يا لهذا اليقين العظيم…!
إنه قلبٌ يرى الله قبل أن يرى الأحداث.
واليوم نحنُ بحاجةٍ ماسّة إلى هذا النوع من البشر؛ الناس الذين يدخلون المجالس بابتسامة لا بضجيج الشكوى، الذين يربّتون على القلوب بدلًا من تخويفها، الذين إذا رأوك متعبًا قالوا: “سيُفرجها الله”، لا الذين يتعاملون مع أي أزمةٍ صغيرة كأنها نهايةُ الحضارة الإنسانية.
لقد أصبح بعض الناس محترفين في اجترار الألم، حتى لو نزلت عليهم النِّعمُ من كل مكان بحثوا عن شيءٍ ناقص ليعلنوا الحداد الداخلي.
يا صديقي… الحياةُ أقصر من أن تُعاش بهذا التوتر.
اشرب قهوتك بطمأنينة.
اضحك مع أمك طويلًا.
سامح نفسك أحيانًا.
خفف قسوة الحديث الداخلي.
ولا تتعامل مع كل عثرة وكأنها إعلانُ نهاية.
فالله سبحانه لم يخلقك عبثًا، ولم يتركك سدى، ولم يكن لطفُه يومًا بعيدًا عنك. بل كم مرّةٍ حماك وأنت لا تعلم، وصرف عنك من الشرور ما لو كُشف لك بعضها لبكيت شكرًا لله لا حزنًا على ما فاتك.
يقول جلال الدين الرومي: “حين يغلق الله بابًا بحكمته، يفتح قلبك لبابٍ أجمل برحمته.”
وما أجملها من حقيقة… فالله وحده هو الرحيم حقًّا، الكريم حقًّا، اللطيف حقًّا، الذي لا يُخيّب قلبًا تعلّق به.
ولهذا… اضحك.
ليس لأنَّ الحياة كاملة، بل لأنَّ الله كاملُ الرحمة.
ولأنَّ النجاة أحيانًا تبدأ من قلبٍ قرر أن يطمئن بالله رغم كل شيء.
ولأنَّ كثيرًا من الكوابيس التي أخافتك… كانت مجرد غبارٍ في طريقٍ يقودك إلى النور.
اضحك… فالنجاةُ بدأت.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



