“بلى يارب… قد آن.” …!!

 

✒️ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي

“اللهُ الذي يُمهلُ القلبَ ليتطهّر، لا ليُفضَح… ويُعيدُ العبدَ إليه برحمةٍ تسبقُ عثرته، ولطفٍ يسبقُ دمعتَه.”

في هذا العالم المزدحم بالوجوه المتعبة، هناك أناسٌ يطرقون كلَّ الأبواب… إلا الباب الذي نجاهم الله به.
يبحثون عن الطمأنينة في السفر، وعن الراحة في الضحك المصطنع، وعن النجاة في الهروب، بينما الباب الوحيد الذي لا يُغلق أبدًا يقف خلفهم بهدوءٍ عظيم… ينتظر فقط أن يعودوا إليه دون مكابرة.
يا للمفارقة الساخرة…!
الإنسان قد يقطع ألف كيلومتر كي ينسى خطأً صغيرًا، لكنه يعجز عن أن يقطع مترًا واحدًا نحو اعتذارٍ صادق.
وقد يوزّع الصدقات، ويُكثر النوافل، ويتحدث عن الأخلاق ساعات، لكنه يرتجف من فكرة أن يقول لإنسانٍ كسره يومًا: “سامحني”.
ولذلك كانت بعض القلوب متعبة، لا لأنها فقيرة من الخير… بل لأنها تهرب من “الباب الأصعب”.
بابُ ردِّ المظالم.
بابُ الاعتراف.
بابُ التوبة التي تُعيد ترتيب الداخل لا المظهر فقط.
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[الزمر: 53]
هذه الآية ليست مجرد عزاء… إنها إعلانٌ ربانيّ بأن الله جلّ جلاله لا يتعامل مع عباده بمنطق البشر الضيق، فالبشر قد يطردونك من أول سقطة، أما الله سبحانه فيفتح لك أبواب الرجوع كلما تعثّرت، ما دمت صادقًا في المسير إليه.
وهنا تكمن الهيبة الحقيقية للتوحيد… أن تعلم أن النجاة ليست في مهارتك، ولا في ذكائك، ولا في صورتك أمام الناس، بل في تعلقك بالله وحده، وفي معرفتك أن رحمته أعظم من خرابك كلّه.
ولذلك قال النبي ﷺ:
«كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التوَّابونَ»
رواه الترمذي.
يا الله… ما أرقَّ هذا الدين حين يفهمه الإنسان بقلبه لا بعصبيته.
دينٌ لا يصنع من المذنب وحشًا، بل يفتح له طريق العودة.
ولا يحوّل العثرة إلى نهاية، بل يجعلها أحيانًا بداية الإنسان الحقيقية.
ويروى أن الفضيل بن عياض – رحمه الله – كان في شبابه قاطعَ طريق، تخشاه القوافل، حتى سمع ليلةً رجلًا يقرأ قول الله تعالى:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾
فتوقّف طويلًا، وقال: “بلى يا رب… قد آن.”
ثم تحوّل ذلك الرجل الذي كانت الطرقات ترتعب من اسمه إلى واحدٍ من أعظم العُبّاد والزهاد في تاريخ الإسلام.
تأمل…
آية واحدة فقط غيّرت المصير كله.
ليس لأن الفضيل كان ملاكًا، بل لأنه امتلك شجاعة الدخول من الباب الذي يهرب منه معظم الناس: باب المواجهة مع النفس.
واليوم، لا تزال القصة تتكرر ولكن بملابس عصرية.
شابٌّ أرهقته الأخطاء، وغرق في علاقاتٍ مؤذية، ثم ظن أن حياته انتهت.
ابتسم أمام الناس طويلًا، بينما داخله ينهار كمدينةٍ مهجورة.
حتى جاء يومٌ أعاد فيه هاتفًا سرقه من زميله قديمًا، واعتذر لأمه بعد سنوات من العقوق، وأغلق بابًا كان يسحبه للظلام.
يقول بعدها: “أول ليلة نمت فيها بسلام… لم تكن بعد المال، ولا بعد الحب، بل بعد الاعتذار.”
لأن الإنسان لا يختنق بالذنب دائمًا… أحيانًا يختنق بالهروب منه.
ولذلك كان سقراط يقول: “الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش.”
وكان جلال الدين الرومي يرى أن الجرح ليس نهاية الروح، بل المكان الذي يدخل منه النور إلى القلب.
أما دوستويفسكي فكان يقول بمرارة العارف: “أعظم عذابٍ للإنسان ليس العقوبة… بل أن يفقد القدرة على التوبة.”
وهنا تكمن الكارثة الحديثة…
ليس في كثرة المذنبين، بل في كثرة الذين أقنعوا أنفسهم أنهم بخيرٍ وهم ينهارون ببطء.
ترى أحدهم يضع الاقتباسات الروحانية صباحًا، ثم ينام ليلًا وقلبُ أمّه مكسور منه.
ويتحدث عن الإنسانية ساعات، بينما أخوه لا يكلّمه منذ سنوات بسبب مبلغٍ تافه.
يا لهذه الكوميديا الحزينة…!
نحن أحيانًا نُلمّع أرواحنا للناس، بينما الحقيقة أن الله سبحانه يريد منا الصدق لا الاستعراض.
والأعجب أن بعض البشر يخاف من التوبة وكأنها فضيحة، مع أنها أعظم أشكال الكرامة.
لأن الذي يعود إلى الله لا يعود مهزومًا… بل يعود محفوظًا بلطف الله، مُعادَ التكوين برحمته، وكأن الحياة تقول له: “ابدأ مرة أخرى… ولكن بقلبٍ أنقى.”
إن الله سبحانه ليس بحاجةٍ إلى طاعتنا، لكنه يحب من عباده أن يرجعوا إليه، وأن يعرفوا أن القوة الحقيقية ليست في ادعاء الكمال، بل في الانكسار الصادق بين يديه جلّ جلاله.
ومن عرف الله حقًا، عرف أن رحمته لا تُغلق، وأن لطفه يسبق خوف العبد، وأنه سبحانه أرحم بخلقه من كل تصورات البشر المحدودة.
ولعل أجمل ما في التوبة… أنها لا تُعيد الإنسان إلى ما كان عليه، بل قد ترفعه إلى مقامٍ أنقى مما لو لم يخطئ أصلًا، لأنه يعود هذه المرة وهو يعرف ضعفه، ويعرف عظمة ربّه، ويعرف أن النجاة ليست بالصلابة المتكبرة، بل بالقرب من الله وحده.
لهذا…
إذا وجدت بابًا مفتوحًا بينك وبين الله، فلا تؤجل الدخول.
وإذا كان في قلبك اعتذارٌ مؤجل، فلا تؤخره حتى يتحول الغياب إلى قبرٍ من الندم.
فبعض الأبواب إن دخلتها باكيًا… خرجت منها مطمئنًا.
وبعض الدموع ليست هزيمة، بل غسيلٌ ربانيّ للقلب.
وفي النهاية، سيكتشف الإنسان أن أكثر الأشياء التي أنقذته في حياته… لم تكن قوته، بل رحمة الله به.

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top