✒️ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
“حينَ يظنُّ الإنسانُ أنَّهُ تأخّر كثيرًا… يفتحُ اللهُ لهُ مواسمَ لا تُقاسُ بالعمر، بل بالرحمة.”
في زحامِ هذا العالم، يبدو الإنسانُ أحيانًا كموظفٍ متعبٍ خرجَ من معركةِ الحياةِ بلا راتبٍ روحي… يحملُ هاتفه أكثرَ مما يحملُ قلبه، ويعرفُ أسعارَ القهوةِ الجديدة، لكنه ينسى متى آخرُ مرةٍ بكى فيها من خشيةِ الله.
يمشي مسرعًا كأنَّهُ مطلوبٌ للعدالة، بينما الحقيقةُ أنَّهُ مطلوبٌ للرحمة.
ثم تأتي العشرُ الأوائلُ من ذي الحجة…
لا كأيامٍ عابرة، بل كإنقاذٍ إلهيٍّ عاجلٍ لعبادٍ أنهكتهم الحياة، وأتعبتهم الدنيا، وأكلت الضوضاءُ شيئًا من أرواحهم.
اللهُ جلَّ جلاله، الواحدُ الأحد، الفردُ الصمد، الذي لا يضلُّ ولا ينسى، ولا يغيبُ عن علمهِ خفقةُ قلبٍ مكسور، أقسمَ بهذه الأيامِ تعظيمًا لشأنها، فقال سبحانه:
﴿وَالفَجرِ * وَلَيالٍ عَشرٍ﴾
وقد قال جمهورٌ من أهلِ التفسير إنَّها عشرُ ذي الحجة.
أيُّ تكريمٍ هذا؟
أن يُقسمَ اللهُ بأيامٍ من عمرِ البشر!
كأنَّ اللهَ الرحيمَ يقولُ لعبادهِ المتعبين:
“ما زالتِ الفرصةُ مفتوحة… وما زالَ البابُ إليَّ واسعًا.”
وفي الصحيحِ عن ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
«ما مِن أيّامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيام»
قالوا: ولا الجهادُ في سبيلِ الله؟
قال: «ولا الجهادُ في سبيلِ الله، إلا رجلٌ خرجَ بنفسهِ ومالهِ ثم لم يرجعْ من ذلكَ بشيء».
يا الله…
أيُّ رحمةٍ هذه التي تجعلُ تسبيحةً صغيرةً في أيامٍ معدودةٍ أثقلَ من جبال؟
وأيُّ كرمٍ إلهيٍّ هذا الذي يُحوّلُ دقائقَ الذكرِ إلى أعمارٍ من النجاة؟
كانَ الحسنُ البصريُّ يقول: “اطلبوا الحلاوةَ في ثلاثة: في الصلاة، وفي الذكر، وفي قراءةِ القرآن.”
لكنَّ الناسَ اليوم يبحثونَ عن الحلاوةِ في كلِّ شيءٍ إلا الله…
في الإشعارات، في العلاقاتِ المؤقتة، في الضحكاتِ الصناعية، في المقاهي الممتلئةِ بالفراغ.
حتى أصبحَ بعضُ البشرِ يضحكُ كما يضحكُ الممثلونَ في المسلسلاتِ الرديئة… كثيرًا، وبلا سبب.
ثم تأتي هذه الأيامُ المباركة، فتصفعُ القلبَ بلطف.
تقولُ له:
“اهدأ… ما زلتَ عبدًا لله، لا عبدًا للقلق.”
وفي زمنِ الصحابة، كان عبداللهِ بنُ عمرَ وأبو هريرةَ رضي اللهُ عنهما يخرجانِ إلى الأسواقِ في العشرِ يكبّران، فيكبرُ الناسُ بتكبيرهما.
تخيّلْ سوقًا كاملًا يهتزُّ بالتكبير، لا بالإعلانات.
قلوبٌ تعرفُ أنَّ اللهَ أكبرُ من التجارة، وأكبرُ من الخسارة، وأكبرُ من خوفِ الإنسانِ على رزقهِ ومستقبله.
واليوم…
يكادُ بعضُ الناسِ يموتُ لو انقطعَ الإنترنتُ عشرَ دقائق، لكنه لا يشعرُ بأيِّ ارتباكٍ إذا انقطعَ أسبوعًا كاملًا عن القرآن.
يا لسخريةِ العصر…
أصبحَ شاحنُ الهاتفِ أهمَّ من شحنِ الروح.
لكنَّ اللهَ بلطفهِ لا يتركُ عبادَهُ للتيهِ طويلًا، فيبعثُ لهم مواسمَ الطمأنينةِ كما يُرسلُ الماءَ للأرضِ اليابسة.
ليس لأنَّ البشرَ يستحقون، بل لأنَّ اللهَ هو الرحمن.
ويُروى أنَّ رجلًا من السلفِ كانَ إذا دخلتْ عشرُ ذي الحجة تغيّر وجهُهُ واجتهدَ اجتهادَ الغريقِ الذي وجدَ قاربَ النجاة.
كانَ يعلمُ أنَّ العمرَ أقصرُ من أن يُؤجَّلَ التوبة، وأنَّ القلوبَ إذا ابتعدتْ عن اللهِ تصحّرتْ ولو كانتْ تضحك.
ولهذا قالَ ابنُ القيمِ رحمهُ الله: “في القلبِ شعثٌ لا يلمُّهُ إلا الإقبالُ على الله.”
وقالَ جلالُ الدينِ الرومي: “ما تبحثُ عنهُ يبحثُ عنك.”
والمؤمنُ يعرفُ أنَّ أعظمَ ما يبحثُ عنهُ الإنسانُ هو رضوانُ الله، لأنَّ كلَّ شيءٍ سواهُ مؤقت.
في هذه الأيام، لا يحتاجُ الإنسانُ أن يكونَ كاملًا…
اللهُ لم يطلبْ منكَ أن تكونَ ملاكًا، بل عبدًا صادقًا.
ارفعْ يديكَ فقط، وسيكفيكَ الله.
سبّحْ، واستغفرْ، واقرأْ القرآن، وأطعمْ محتاجًا، وامسحْ على قلبِ يتيم، وسترى كيفَ يُبدّلُ اللهُ داخلكَ بهدوءٍ لا تصنعهُ كلُّ فلسفاتِ الأرض.
العشرُ الأوائلُ ليستْ مجردَ موسمٍ دينيٍّ عابر…
إنها إعادةُ ترتيبٍ للعمر.
إعادةُ تعريفٍ للنجاة.
تذكيرٌ أنَّ اللهَ سبحانهُ هو الأمانُ الحقيقيُّ حينَ يخذلكَ كلُّ شيء.
كم من إنسانٍ دخلها مهمومًا فخرجَ منها مطمئنًا…
وكم من قلبٍ كانَ يظنُّ أنَّهُ انتهى، فأحياهُ اللهُ بسجدة.
فاللهُ جلَّ جلالهُ إذا أرادَ بعبدٍ خيرًا فتحَ لهُ بابَ القربِ منه، وأذاقهُ لذّةَ الطاعة، وأبعدَ عنهُ وحشةَ البعد.
لا أحدَ ينجو بذكائهِ وحده، ولا بمالهِ، ولا بعلاقاته…
النجاةُ الحقيقيةُ أن يمسكَ اللهُ بقلبكَ وسطَ هذا الضجيج، فلا تسقط.
ولهذا كانتْ العشرُ الأوائلُ من ذي الحجة رسالةً ربانيةً عظيمة:
أنَّ اللهَ لا يزالُ يدعو عبادَهُ إليهِ برحمة، ويمنحُهم فرصًا جديدة، ويُريهم أنَّ أبوابَهُ لا تُغلقُ في وجهِ من عاد.
فيا أيُّها المتعب…
لا تدخلْ هذه الأيامَ كعادتكَ القديمة.
ادخلها بقلبِ رجلٍ عرفَ أخيرًا أنَّ اللهَ هو النجاة، وأنَّ العمرَ مهما طالَ قصير، وأنَّ الطمأنينةَ لا تُشترى… بل تُؤتَى من الله.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



