مسرحٌ هائل … ممتلئٌ بالغياب …!!

✒️ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي

“ثمةَ قلوبٌ لا يُنقذها الضجيج… بل تلكَ الطمأنينةُ الخفيّةُ التي يزرعها اللهُ في أكثرِ اللحظاتِ ارتباكًا.”

في هذه الحياة، لا أحدَ يخرجُ كاملًا من المعركة. كلُّنا نحملُ شيئًا مكسورًا في الداخل، ذكرى لم تلتئم، بابًا أُغلقَ في وجوهنا، أو شخصًا غابَ تاركًا خلفهُ فراغًا يكفي ليُربكَ أعوامًا كاملة. ولهذا تبدو الحياةُ أحيانًا كأنها مسرحٌ هائل… ممتلئٌ بالغياب.
غيابُ الطمأنينة. غيابُ اليقين. غيابُ الذينَ وعدونا بالبقاء ثم اختفوا كأنهم لم يكونوا. وغيابُ تلك النسخةِ القديمةِ من أنفسنا… النسخةُ التي كانت تضحكُ بسهولةٍ قبل أن تُرهقها الحياة.
والمضحكُ حدَّ السخرية، أنَّ الإنسانَ يقضي نصفَ عمره وهو يركضُ خلفَ أشياء يظنُّ أنها ستُنقذه، ثم يكتشفُ متأخرًا أنها كانت تُثقلهُ فقط. يركضُ خلفَ رضا الجميع، حتى ينسى نفسه. ويُرهقُ قلبَه بالتفكير، كأنَّهُ مسؤولٌ عن ترتيبِ العالم، بينما العالمُ أصلًا يسقطُ كلَّ ليلةٍ في فوضاه الخاصة.
لكنَّ المؤمنَ الحقيقي، حين يضيقُ عليه الطريق، لا يتكئُ على هشاشةِ البشر، بل يتكئُ على الله. على اللهِ الذي لا يغفل. على اللهِ الذي يرى القلوبَ حين تتعب، ويسمعُ الدعواتِ التي لم تخرجْ من أفواهنا أصلًا. على اللهِ الذي لا يتركُ عبدَهُ وحيدًا ولو شعرَ العالمُ كلهُ بالابتعاد.
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]
وما أعظمَ هذه الآية… كأنَّ اللهَ يقولُ لعبده: “أنا كافيك.” كافيكَ من الخوفِ الذي يأكلُ رأسك قبل النوم. وكافيكَ من الطرقِ التي تُرهقكَ بالحيرة. وكافيكَ من الناسِ الذين يتبدّلون كلما تبدّلت مصالحهم.
قال رسولُ الله ﷺ: «احفظِ اللهَ يحفظْكَ، احفظِ اللهَ تجدْهُ تجاهكَ» رواه الترمذي.
أيُّ طمأنينةٍ أعظمُ من أن يشعرَ الإنسانُ أنَّ اللهَ معه؟ أنَّ هذا القلبَ المرتبكَ ليسَ متروكًا في العاصفة وحده؟ أنَّ كلَّ تلكَ الفوضى التي يعيشها، يعلمُها اللهُ بتفاصيلها الدقيقة، ويُدبِّرُها بحكمةٍ ورحمةٍ ولطفٍ لا يُدركهُ البشرُ العجولون؟
ويُروى أنَّ الإمامَ أحمدَ بنَ حنبل رحمه الله، حين اشتدَّ عليه البلاءُ والسجنُ والتعب، قيل له: “متى الراحة؟” فقالَ كلمتَهُ الشهيرة: “عندَ أولِ قدمٍ نضعُها في الجنة.”
يا لهذا اليقين… ذلكَ اليقينُ الذي يجعلُ الإنسانَ أهدأَ من الضجيج الذي حوله، وأقوى من الظروف التي تحاولُ كسره.
حتى الفيلسوفُ والناقد الاجتماعي الدنماركي “سورين كيركغارد” كان يقول: “القلقُ هو دوارُ الحرية.” لكنَّ المؤمنَ لا يغرقُ طويلًا في هذا الدوار، لأنه يعرفُ أنَّ اللهَ ليسَ إلهًا يتركُ عبادهُ للتيه، بل ربٌّ رحيمٌ لطيفٌ حكيم، يفتحُ الأبوابَ في اللحظةِ التي يظنُّ فيها الإنسانُ أنَّ كلَّ شيءٍ انتهى.
أحدُ الشبابِ خسرَ عملهُ فجأة، وفي ليلةٍ واحدةٍ شعرَ أنَّ الحياةَ قد أغلقت أبوابها في وجهه. أصبحَ يستيقظُ متأخرًا، يتأملُ سقفَ الغرفة، ويُحدِّثُ نفسهُ بسوداويةٍ موجعة: “ماذا لو انتهى كلُّ شيء؟”
لكنَّ اللهَ الذي لا ينسى عباده، ساقَ لهُ بعد أشهرٍ فرصةً لم يكن يتخيّلها، وظيفةً أكرم، ورزقًا أوسع، وراحةً نفسيّةً لم يشعر بها منذ سنوات. قال بعدها لصديقٍ مقرّب: “كنتُ أبكي على بابٍ أُغلق… بينما اللهُ كانَ يُجهّزُ لي بابًا أجمل.”
وهكذا هي الحياة… نحنُ لا نرى إلا المشهدَ القريب، بينما اللهُ وحدهُ يعلمُ الحكايةَ كاملة.
كم خسارةٍ ظنناها نهاية، وكانتْ نجاة. وكم تأخيرٍ ظننّاهُ عقوبة، وكانَ رحمة. وكم شخصٍ غابَ عن حياتنا، لأنَّ اللهَ يعلمُ أنَّ بقاءهُ كان سيؤذينا أكثر.
قال ابنُ القيم رحمه الله: “لو كُشفَ للعبدِ الغيبُ، واختار، لما اختارَ إلا ما اختارهُ اللهُ له.”
وهنا يصلُ الإنسانُ إلى أعظمِ درجاتِ الراحة… حين لا يعودُ مُضطرًا لفهمِ كلِّ شيء. حين يُسلِّمُ قلبَهُ لله، ويقول: “يارب، إنّي لا أُحسنُ تدبيرَ أمري، فدبّرهُ لي بلطفك.”
عندها فقط، يهدأُ الداخل. وتخفُّ ضوضاءُ المقارنات. ويتوقفُ الإنسانُ عن مطاردةِ السراب.
لأنَّ الحقيقةَ التي لا يريدُ كثيرون الاعترافَ بها، أنَّ معظمَ تعبنا ليسَ من الحياة… بل من محاولتنا المستميتة للسيطرة عليها.
وفي نهايةِ الأمر… لن يبقى معكَ إلا الله. لا الوظائف. لا التصفيق. لا الوجوهُ التي كانت تملأُ الأمكنةَ ضجيجًا ثم اختفت. سيبقى الله… بلطفهِ العظيم. وبرحمتِه التي تتسلّلُ إلى قلوبنا حتى في عزِّ الانكسار. وبحفظهِ الذي نجانا من أشياءَ لو حدثتْ، لما بقينا كما نحن.
لهذا… سلِّمْ جميعَ أموركَ لله. فلا تدري أيُّ أرضٍ خبّأ اللهُ لكَ فيها الراحة، وأيُّ قلبٍ صرفهُ عنكَ رحمةً بك، وأيُّ طريقٍ أُغلقَ لأنَّ نهايتهُ لم تكن تليقُ بروحك.
وربما… كلُّ ما حدثَ لكَ، كانَ مجردَ طريقٍ طويل… ليقودكَ إلى الله.

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top