✒️ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
“اللهُ وحدهُ يفتحُ في قلبِ الإنسانِ أبوابَ المعنى، ثم يتركُ لطفَهُ يمشي معهُ في الطرقاتِ كأنّهُ نجاةٌ خفيّةٌ لا يراها إلّا من آمنَ بأنّ الخيرَ عند اللهِ لا يضيع.”
في هذا العالمِ المزدحمِ بالأسماءِ والوجوهِ والضجيج، هناكَ بشرٌ يمرّونَ على الحياةِ كما تمرُّ عاصفةٌ من غبار؛ تحدثُ جلبةً كبيرةً ثم تختفي دون أن تتركَ خلفها إلا الأذى، وهناكَ بشرٌ آخرونَ يمرّونَ بهدوءٍ يشبهُ رحمةَ اللهِ حينَ تلامسُ قلبًا منكسرًا، لكنّ أثرهم يبقى طويلًا كأنّهُ ضوءٌ عالقٌ في ذاكرةِ الزمن.
العقولُ الصغيرةُ تُرهقُها الأسئلةُ الضيقة: كم سأربح؟ من سيصفّق لي؟ ماذا سأحصلُ الآن؟
أمّا العقولُ الكبيرة، فتجلسُ مع نفسها ليلًا وتسأل: ماذا سأتركُ بعد أن أغادر؟ أيُّ أثرٍ سيبقى إذا غابَ اسمي؟ وهل كنتُ في حياةِ الناسِ بابًا للرحمةِ أم نافذةً للاستغلال؟
ولهذا كان الفرقُ هائلًا بين رجلٍ يبني إنسانًا، وآخرَ يبني رصيدًا بنكيًا فقط.
الأولُ يعيشُ مرتين؛ مرةً في عمرهِ، ومرةً في دعواتِ الناسِ له بعد غيابه، أمّا الثاني فيموتُ مرتين؛ يومَ يموتُ جسدُه، ويومَ يكتشفُ الناسُ أنّهُ لم يكن سوى آلةِ مصلحةٍ ترتدي بدلةً أنيقة.
قال الله تعالى:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77]
إنّها آيةٌ تهذّبُ مفهومَ النجاحِ كلّه؛ فاللهُ جلّ جلالهُ لم ينهَ الإنسانَ عن السعي، لكنّهُ علّمهُ أنَّ القيمةَ الحقيقيةَ ليست فيما تملكهُ يدُك، بل فيما يفيضُ من روحِك إلى الناس.
ولهذا قال النبي ﷺ:
«أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» رواه الطبراني.
وكم هو مُضحكٌ ومؤلمٌ في آنٍ واحد، أن ترى بعضَ الناسِ يدخلُ كلَّ علاقةٍ وفي جيبهِ آلةُ حاسبة!
يحسبُ المعروفَ بالفائدة، والزيارةَ بالمصلحة، والابتسامةَ بالعائدِ المتوقع، حتى كأنّهُ شركةُ استثمارٍ متنقّلة وليست روحًا بشرية.
إنّهُ ذلك الإنسانُ الذي لو صافحكَ، شعرتَ أنّهُ يفتّشُ في جيبكَ لا في قلبكَ.
الفيلسوفُ اليونانيُّ سقراط كان يقول: “كنْ كما تظهرُ، أو اظهرْ كما أنت.”
لكنَّ بعضَ البشرِ اليومَ أصبحوا أكثرَ تعقيدًا من الأقنعة؛ يبتسمونَ لكَ وفي داخلهم مشروعُ استغلالٍ كاملُ التجهيز.
ولهذا لم تعدِ المشكلةُ في قلّةِ الطيبين، بل في كثرةِ الممثلين.
ومع ذلك، يبقى لطفُ اللهِ أعظمَ من كلِّ هذا الزيف.
فاللهُ سبحانهُ بحكمتهِ وعدلهِ لا يتركُ الخيرَ هائمًا بلا جزاء، ولا يسمحُ للقلوبِ النقيّةِ أن تضيعَ سُدًى، بل يجعلُ لها قبولًا عجيبًا لا يُشترى، وهيبةً لا تُصنع، وأثرًا يتسلّلُ إلى الأرواحِ دون ضجيج.
فكم من إنسانٍ بسيطٍ لا يملكُ مالًا ولا شهرة، لكنَّ ذكرهُ إذا حضرَ في مجلسٍ شعرَ الناسُ بدفءِ الطمأنينة، وكأنّ اللهَ ألبسهُ نورَ الصدق.
ويُروى عن الخليفةِ الراشدِ عمرَ بن عبدالعزيز أنّهُ كان يطفئُ شمعةَ بيتِ مالِ المسلمين إذا أرادَ أن يتحدّثَ في شأنهِ الخاص.
يا الله… أيُّ عقلٍ هذا؟
رجلٌ يحكمُ أمّةً كاملة، ثم يخافُ أن يختلطَ حقُّهُ بحقوقِ الناسِ في شعلةِ نارٍ صغيرة!
ذلك لأنّ العظماءَ لا يخافونَ من الفقرِ بقدرِ خوفهم من أن يلقوا اللهَ وفي أعناقهم أثرُ ظلمٍ خفي.
وفي زمانِنا المعاصر، انتشرت قصةُ شابٍّ كان يعملُ عاملَ نظافةٍ في أحدِ المستشفيات، وكان يشتري من راتبهِ البسيطِ ألعابًا للأطفالِ المرضى دون أن يُخبرَ أحدًا.
لم يكن مشهورًا، ولم يظهرْ في لقاءاتٍ تلفزيونية، لكنّ طفلًا كتبَ عنهُ بعد سنوات: “كان الرجلُ الوحيدُ الذي يجعلني أنسى الألم.”
تخيّل… ربما لم يملكْ هذا الرجلُ بيتًا فاخرًا، لكنّهُ امتلكَ مكانًا أبديًا في قلبِ طفلٍ موجوع.
وهذا هو المجدُ الحقيقيُّ الذي لا تمنحهُ المناصب.
يقولُ جلالُ الدينِ الرومي: “ارفعْ كلماتكَ لا صوتكَ، فالمطرُ هو الذي يُنبتُ الزهورَ لا الرعد.”
ولذلك فإنَّ أصحابَ الأثرِ الحقيقيّ لا يصرخونَ كثيرًا، ولا يستعرضونَ فضائلهم، لأنّ الأعمالَ التي تُرادُ للهِ لا تحتاجُ إلى مكبّرِ صوت.
إنَّ أعظمَ مأساةٍ يعيشها الإنسانُ ليست الفقر، ولا الفشل، ولا تأخّر الأحلام، بل أن يتحوّلَ قلبُهُ إلى ماكينةِ منفعةٍ باردة، لا ترى الناسَ إلا جسورًا للعبور.
وهنا يموتُ الإنسانُ معنويًا حتى لو كان يضحكُ كلَّ يوم.
أمّا المؤمنُ الحقيقي، فيفهمُ أنّ اللهَ سبحانهُ هو الكريمُ وحده، وأنَّ ما عندهُ خيرٌ وأبقى، فيُحسنُ لأنّ اللهَ يحبُّ الإحسان، ويعفو لأنّ اللهَ عفوٌّ يحبُّ العفو، ويرفقُ بالناسِ لأنّهُ يعلمُ أنّ اللهَ أرحمُ الراحمين.
وحينَ يمشي بهذه الروح، يصبحُ أثرُهُ ممتدًّا كدعاءِ أمّ، أو كطمأنينةِ آيةٍ قرآنيةٍ تهبطُ على قلبٍ خائف.
وفي النهاية…
لن يتذكّرَ الناسُ كم ربحتَ، ولا نوعَ سيارتكَ، ولا عددَ الذينَ صفقوا لكَ في حفلاتِ المجاملة، لكنّهم سيتذكّرونَ جيدًا:
هل كنتَ رحيمًا؟
هل أنقذتَ أحدًا من الانكسار؟
هل كنتَ بابًا من أبوابِ الخيرِ التي فتحها اللهُ لعباده؟
فالأثرُ يا صديقي… ليس ما تتركهُ خلفكَ على الأرض، بل ما تتركهُ داخلَ القلوب.
وهناكَ فرقٌ هائلٌ بين من يمرُّ على الناسِ كنعمةٍ من الله، ومن يمرُّ عليهم كفاتورةٍ ثقيلة.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



