✒️ _ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
حين يضيق الطريق على العابرين، يرسل الله من عباده من يكونون نورًا في حياة الناس، بينما يخفون أوجاعهم بين ضلوعهم بصمت النبلاء.
في هذا العالم المزدحم بالضجيج، ثمة أبطال لا تراهم الكاميرات، ولا تتسابق إليهم المنصات، ولا تكتب عنهم نشرات الأخبار. يمرون بين الناس كالعابرين، بينما يحمل كل واحد منهم قلبًا أكبر من تعبه، وروحًا أوسع من جراحه، وابتسامة تخفي خلفها فصولًا طويلة من الصبر لا يعلمها إلا الله.
العجيب أن بعض الناس يظنون أن السعداء فقط هم القادرون على إسعاد الآخرين، وأن الأقوياء وحدهم يستطيعون حمل المتعبين، لكن الحياة تكشف لنا كل يوم مفارقة مدهشة؛ فكم من إنسان كان يربت على أكتاف الآخرين بينما كان يبحث هو نفسه عن كتف يتكئ عليه، وكم من شخص كان يوزع الطمأنينة على من حوله بينما كان يخوض معاركه الخاصة بصمت المحاربين.
ولأن الله سبحانه هو اللطيف بعباده، الرحيم بهم، الحكيم في تدبير شؤونهم، فإنه يجعل في بعض الأرواح سرًا عجيبًا؛ كلما ضاقت بها الدنيا اتسعت للناس، وكلما أثقلتها الأحزان خففت عن غيرها. وهؤلاء هم الثروة الحقيقية التي لا تُقاس بالأرقام ولا تُحصى بالأرصدة.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 110].
وقال رسول الله ﷺ:
«أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ».
ولعل أجمل ما في هؤلاء أنهم لا يعلنون بطولاتهم. إنهم يشبهون أولئك البنائين الذين يختفون خلف الجدران بعد اكتمال القصور، فلا يراهم أحد، بينما يظل أثرهم قائمًا في كل زاوية.
يروي التاريخ الإسلامي أن عبد الله بن المبارك رحمه الله، ذلك العالم المجاهد الزاهد، كان يحمل الطعام ليلًا إلى بيوت الفقراء في خراسان دون أن يعلموا من هو. فلما مات، انقطعت الأكياس التي كانت تصل إلى الأبواب، فعرف الناس يومها أن الرجل الذي كان يملأ الطرق علمًا، كان يملأ البيوت رحمة أيضًا. لم يكن يبحث عن تصفيق، ولم يكن ينتظر وسامًا، لأنه أدرك حقيقة عظيمة: أن ما عند الله أبقى وأعظم.
وفي عصرنا الحديث تتكرر الحكاية نفسها بأسماء مختلفة. كم من أب يخرج كل صباح مبتسمًا لأبنائه وهو يحمل في داخله قلق السنوات المقبلة. وكم من أم تزرع الفرح في البيت بينما تؤجل أحزانها إلى آخر الليل. وكم من معلم يصنع مستقبل أجيال كاملة بينما لا يكاد أحد يسأله عن تعبه. وكم من موظف بسيط يواسي زملاءه ويعينهم وهو يواجه من التحديات ما لو وُزِّع على جماعة لأرهقهم.
وهنا تكمن السخرية الفلسفية التي لا تخطئها العين؛ فالعالم كثيرًا ما يصفق لمن يتحدث عن الإنسانية، بينما يتجاهل من يمارسها. ويحتفي بمن يلتقط صورة إلى جانب المحتاج، بينما يغفل عن الذي يمسح دمعة المحتاج ثم يمضي دون أن يترك خلفه أثرًا إلا عند الله.
وقد قال الفيلسوف الروماني سينيكا إن “أعظم الأعمال هي تلك التي تُفعل دون انتظار المكافأة”، بينما كان جبران خليل جبران يلمس المعنى ذاته حين قال إن “الكرم هو أن تعطي أكثر مما تستطيع”. أما الإمام الشافعي رحمه الله فقد اختصر حكاية النبل كلها عندما قال: “لأن أعيش في نفع الناس أحب إلي من أن أعيش لنفسي وحدها”.
ولعل الإنسان حين يتأمل الحياة قليلًا يكتشف أن الذين غيروا العالم فعلًا لم يكونوا دائمًا أصحاب الأصوات المرتفعة، بل أصحاب القلوب الواسعة. أولئك الذين فهموا أن القوة ليست في أن تحمل الدنيا كلها فوق كتفيك، بل في أن تحمل إنسانًا واحدًا عندما يعجز عن الوقوف.
إننا نعيش زمنًا تتسارع فيه الصور حتى تكاد تسبق الحقائق، وتتعاظم فيه المظاهر حتى تكاد تخفي الجواهر. لذلك أصبح من الضروري أن نعيد الاعتبار لأولئك المجهولين الذين يصنعون الخير بصمت، ويزرعون الأمل دون أن يكتبوا أسماءهم على جذوع الأشجار.
وما أجمل أن يتذكر الإنسان أن الله سبحانه لا يضيع معروفًا، ولا ينسى دمعةً مسحها عبد عن أخيه، ولا كلمةً طيبةً أنقذت قلبًا من الانكسار، ولا ابتسامةً أحيت روحًا كادت تستسلم. فالله جل جلاله هو الكريم الذي يربي أعمال عباده، وهو الرحيم الذي يضاعف الأجور، وهو الحكيم الذي يجعل الخير يعود إلى صاحبه في الوقت الذي يختاره سبحانه لا في الوقت الذي يختاره البشر.
لهذا فإن أعظم الناس ليس بالضرورة أكثرهم شهرة، بل أكثرهم أثرًا. وليس أنبلهم من يتصدر المشهد، بل من يترك في قلوب الآخرين مساحة أوسع للأمل والرحمة والسكينة.
وحين تنتهي هذه الرحلة القصيرة التي نسميها الحياة، لن يسألنا الناس كم مرة ظهرنا في الصورة، بل سيبقى السؤال الحقيقي: كم قلبًا أعدنا إليه الطمأنينة؟ وكم روحًا ساعدناها على مواصلة الطريق؟
أما أولئك الذين يضيئون الطرق وهم في العتمة، فهؤلاء يعرفهم الله جيدًا، وذلك يكفيهم شرفًا، ويكفيهم مجدًا، ويكفيهم خلودًا في ذاكرة الإنسانية.
bismallah34@gmail.com
الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



