والي ما يعرف تدبيره.. حظّه يطيح وتقديره

بقلم علي حسن المفتاح

لا يُقاس الإنسان بما يدّعي امتلاكه، بل بما هو عليه حقيقةً من أخلاق وقيم وسلوك. ومن الأمثال الشعبية التي تختصر هذه الحقيقة قولهم: “والي ما يعرف تدبيره حظّه يطيح وتقديره”، وهو مثل يحمل في طياته معاني عميقة تتجاوز الجانب المالي إلى طريقة إدارة الإنسان لحياته وصورته أمام الآخرين.

ومن المشاهد المتكررة في حياتنا وجود فئتين متناقضتين من الناس؛ الأولى تسعى إلى تضخيم صورتها أمام المجتمع، فتمنح نفسها حجماً أكبر من واقعها، وتدّعي من المكانة أو النفوذ أو الثراء ما لا تملكه. ومع مرور الوقت تنكشف الحقائق، فتتراجع ثقة الناس بها، ويحلّ الرفض محل الإعجاب، لأن الناس بطبيعتهم يقدّرون الصدق ويكتشفون التصنّع مهما طال الزمن.

في المقابل، نجد أشخاصاً يمتلكون الكثير من المقومات والنجاحات والإمكانات، لكنهم يتعاملون مع الآخرين بتواضع وبساطة، فلا يبالغون في استعراض ما لديهم ولا يجعلون من إنجازاتهم وسيلة للتفاخر. هؤلاء غالباً ما يحظون بمحبة الناس واحترامهم، لأن التواضع يرفع صاحبه، بينما المبالغة في إظهار الذات كثيراً ما تؤدي إلى نتائج عكسية.

ولا يقتصر أثر هذه التصرفات على نظرة المجتمع فقط، بل ينعكس على الشخص نفسه. فالشخص الذي يعيش في دائرة الادعاءات يضع نفسه تحت ضغط مستمر للحفاظ على صورة غير حقيقية، وقد يجد نفسه معزولاً عندما يكتشف الآخرون تناقض أقواله مع واقعه. أما الإنسان الصادق مع نفسه، فإنه يعيش براحة نفسية أكبر، ويحافظ على علاقات قائمة على الثقة والاحترام المتبادل.

ومن الأمثلة الواقعية التي تتكرر في المجتمع أن بعض الأشخاص قد يعانون من ضائقة مالية أو ظروف معيشية صعبة، لكنهم يحرصون على إظهار أنفسهم بمظهر الأثرياء وأصحاب الإمكانات الكبيرة. وعندما يحتاجون لاحقاً إلى الدعم أو المساندة، يتردد الناس في مساعدتهم لأن الصورة التي رسموها عن أنفسهم لا تعكس احتياجهم الحقيقي. وهنا يكون الشخص قد خسر فرصة الحصول على العون بسبب محاولته إظهار ما ليس لديه.

وعلى الجانب الآخر، نجد أشخاصاً يملكون المال أو المكانة أو النجاح، لكنهم لا يتحدثون عنها كثيراً، وعندما تمر بهم ظروف طارئة يجدون المجتمع من حولهم أكثر قرباً واستعداداً للمساندة، لأن الناس يعرفونهم على حقيقتهم ويثقون بهم.

إن إدارة الصورة الشخصية لا تعني التفاخر ولا إخفاء الحقيقة، بل تعني الصدق والاتزان والواقعية. فالإنسان لا يحتاج إلى المبالغة ليحظى بالاحترام، كما لا يحتاج إلى ادعاء ما ليس لديه ليكسب تقدير الآخرين. وفي النهاية يبقى التواضع والصدق وحسن التدبير من أهم أسباب القبول بين الناس، بينما يقود التصنع والمبالغة غالباً إلى فقدان الثقة وتراجع التقدير.

ولهذا يبقى المثل الشعبي صادقاً في معناه: “والي ما يعرف تدبيره حظّه يطيح وتقديره”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top