عبادة تسير على قدمين….!!

✒️ – راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي

«يُخبّئ الله لعباده لطفه في قلوب عباده، فما طرق إنسانٌ باب إنسانٍ إلا وكان الله أرحم بهما معًا.»
في هذا العالم المزدحم بالأبواب المغلقة، لا يبحث الإنسان دائمًا عن المال، ولا عن الشهرة، ولا حتى عن الكلمات المنمقة؛ بل يبحث في لحظات انكساره عن شخصٍ يفتح له نافذة أمل، أو يخفف عنه ثقل الحياة، أو يبتسم في وجهه حين تضيق به الأيام.
كم هو غريب أمر البشر! نقطع مئات الكيلومترات لنقتني الأشياء، ونؤجل خطوات قليلة نحو إنسان يحتاج إلينا. ننفق الساعات في تصفح الأخبار التي لن تغيّر مصيرنا، ثم نبخل بدقائق معدودة قد تغيّر حياة إنسان بأكملها.
ولأن السخرية المريرة جزء من حكايتنا الحديثة، فقد أصبح بعضنا يكتب عبارة “أنا في الخدمة” في وصف حسابه الشخصي، ثم يختفي حين يُطلب منه المعروف. وأصبح آخرون يجيدون تصوير موائد الكرم أكثر من الجلوس إلى جوار مريض، أو مساعدة محتاج، أو مواساة مهموم.
لكن الحقيقة التي لا تتغير، أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل أعظم العبادات محصورة بين جدران المساجد، بل جعل منها ما يمتد أثره إلى قلوب الناس وحياتهم. فالصلاة نور، والصيام تزكية، والزكاة طهارة، أما قضاء حوائج الناس فهو عبادة تسير على قدمين.
وقد قال الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾ [النحل: ٩٠].
إنها أوامر ربانية لا تكتفي بأن تمنعنا من الأذى، بل تدعونا إلى صناعة الخير، وإلى أن نكون مفاتيح للرحمة في حياة الآخرين.
وفي الحديث الشريف، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ». متفق عليه.
وفي حديث آخر قال ﷺ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ». رواه الطبراني وحسنه الألباني.
ما أعظم هذا الميزان! فالله جل جلاله، الواحد الأحد، الغني الحميد، لا ينظر إلى كثرة ما نملك، بل إلى مقدار النفع الذي يفيض من أيدينا إلى قلوب خلقه.
ويُروى أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان معتكفًا في مسجد رسول الله ﷺ، فجاءه رجل يشكو دينًا أثقل كاهله. فقام ابن عباس معه ليعينه، فقال له أحدهم: أتترك اعتكافك؟ فقال: سمعت صاحب هذا القبر ﷺ يقول: «لأن أمشي مع أخي المسلم في حاجته أحب إليّ من أن أعتكف في مسجدي هذا شهرًا».
هكذا فهم أولئك العظماء معنى العبادة؛ لم يكونوا يرون الناس عبئًا، بل فرصة يتقربون بها إلى الله.
ولعل أجمل ما في قضاء الحوائج أنه لا يحتاج إلى ثروة، بل يحتاج إلى قلب حي. قد تكون حاجتك عند إنسان كلمة، أو اتصالًا هاتفيًا، أو شفاعة حسنة، أو نصيحة صادقة، أو دعاء بظهر الغيب، أو حتى ابتسامة تعيد إليه ثقته بنفسه.
قال الفيلسوف الروماني سينيكا: “حيثما وُجد إنسان، وُجدت فرصة لفعل الخير”. وقال جلال الدين الرومي: “كن كالنهر في العطاء”. أما الأديب الروسي ليو تولستوي فقد لخّص المعنى كله حين قال: “الغاية الوحيدة من الحياة هي خدمة الإنسانية”.
لكن المؤمن يدرك معنى أعمق من ذلك كله؛ فهو لا يقضي حوائج الناس انتظارًا للثناء، ولا بحثًا عن صورة تذكارية، ولا رغبة في تصفيق عابر، بل يفعل ذلك ابتغاء وجه الله وحده، العالم بالسر وأخفى.
فكم من إنسان ظن أنه يساعد الآخرين، بينما كان الله سبحانه يهيئ له أبواب الفرج على هيئة معروف يقدمه لغيره. وكم من كربة فرّجها عبد عن أخيه، ففرّج الله عنه همًا لم يخبر به أحدًا.
إن العجيب في سنن الحياة أن المعروف لا يضيع، لأن حافظه هو الله، والفضل لا يُنسى، لأن كاتبه هو الله، والقلوب التي أحييتها بكلمة أو موقف أو مساعدة، يعلمها الله وإن جهلها الناس.
وفي زماننا هذا، انتشرت قصة شاب سعودي كان يعمل سائق توصيل، فلاحظ عجوزًا تقف يوميًا أمام أحد المستشفيات تبحث عمن يقلّها إلى موعد علاجها. قرر أن يخصص لها وقتًا من يومه دون مقابل. لم يصور الموقف، ولم ينشره، ولم يخبر أحدًا. وبعد أشهر تعثرت به ظروف الحياة، فوجد أبوابًا تُفتح له من حيث لا يحتسب، ووظيفة لم يكن يحلم بها. لم يكن الأمر مصادفة، بل كان لطف الله الذي يزرعه في دروب المحسنين.
إن الله سبحانه وتعالى هو الرحيم بعباده، وهو اللطيف الخبير، وهو الكريم الذي يضاعف الإحسان أضعافًا كثيرة، وهو الحفيظ الذي لا يضيع عنده معروف، وهو الواحد الأحد الذي بيده خزائن كل شيء.
فاجعل بينك وبين الله طريقًا من حاجات الناس.
كن يدًا تمتد، وقلبًا يحتوي، وصوتًا يطمئن، ووجهًا يبتسم.
فربما كانت أعظم إنجازاتك في الحياة أمرًا صغيرًا لم تلتفت إليه، لكنه عند الله عظيم.
وربما كان أجمل أثر تتركه خلفك، دعوة صادقة خرجت من قلب منكسر قلت له يومًا: لا تقلق، أنا معك.
ففي النهاية، لا يتذكر الناس عدد سنوات أعمارنا، بل يتذكرون عدد المرات التي كنا فيها عونًا لهم.
وما أجمل أن يرحل الإنسان من هذه الدنيا وقد ترك خلفه أبوابًا فُتحت، ودموعًا جفّت، وقلوبًا اطمأنت، وأرواحًا أيقنت أن الخير لا يزال يسكن هذا العالم.

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top