د.عزت عبدالعظيم استشاري الطب النفسي .. في حوار حول الإجازات النفسية:الإجازة تحمي المريض النفسي من الخطر الذي قد يصيبه أو نحمي الآخرين من خطورته

 

من حق أي مريض أن يحصل على راحة مرضية خلال فترات المرض أو حتى في مرحلة النقاهة و ذلك إذا كانت حالته الصحية لا تسمح له بأداء وظيفته على الوجه الأكمل أو إذا كان العمل سيجعل حالته الصحية تتدهور أو حتى تتأخر فترة الشفاء.
لكن قد يختلف الحال بالنسبة للمرض النفسي حيث يبدو ظاهريا توافر القدرة الجسمانية التي تستطيع العمل ولكننا نجد الأطباء النفسيين يمنحون مرضاهم أجازات مرضية وبالتالي قد نجد بعض المسؤلين يستنكرون هذه الإجازات النفسية وقد يرفضون اعتماد منحها للمريض النفسي طالما أنه يبدو معافى بدنيا ً
ومن هنا كان لابد أن نستجلي هذا الأمر ونرى وجهة نظر الطب النفسي بخصوص إعطاء الإجازات المرضية للمرضى النفسيين،ونعرف الإجابة على بعض التساؤلات المطروحة في هذا الموضوع وخصوصا متى يعطى الطبيب النفسي إجازة مرضية؟ولماذا يعطيها؟ومن هو المريض الذي يستحق هذه الإجازة؟وما سبب كثرة الإجازات النفسية؟وأسئلة أخرى سوف نناقشها مع الدكتور عزت عبدالعظيم أستاذ واستشاري الطب النفسي بمجموعة مستشفيات الحمادي بالرياض، وفيما يلي نص الحوار.
•متى يأخذ المريض النفسي أجازات مرضية؟
_كما هو معروف في كافة الأمراض يكون قرار إعطاء المريض إجازات مرضية راجعا لرأي الطبيب المعالج ولكن حسب المعايير العالمية المتعارف عليها في مثل هذه الأمراض التي تصيب أي إنسان وتقدير مدى احتياج المريض للراحة المرضية والمدة الكافية التي يحتاجها المريض لكي يسترد حالته الصحية الطبيعية المعهودة التي تمكنه من العمل مرة أخرى بصورة طيبة،وبالطبع فإن الطبيب النفسي أيضا ً لديه القدرة على تقييم حالة المريض النفسية ومدى كفاءته العقليه (الذهنية) والنفسية التي تساعده على العمل الجيد أم إنه يحتاج للراحة من العمل لفترة ما من الوقت حتى يتلقى العلاج النفسي الموصوف له
وتبدأ حالته النفسية في التحسن و الإستقرار ويمكنه بعد ذلك العمل مرة أخرى أو ربما يتم منح المريض النفسي راحة مرضية لفترة من الوقت عند بدء العلاج النفسي خاصة وذلك حتى يتجاوز المريض مرحلة الأعراض المرضية الشديدة،وكذلك فترة الأعراض الجانبية في بداية معظم الأدوية النفسية والتي قد تؤدي لحالة من الكسل والخمول
وكثرة النوم مع احتمالية إنخفاض التركيز والانتباه
ودرجة الإستيعاب التي لا تمكنه من إنجاز عمله على الوجه الأكمل،وبالتالي يكون من الأفضل النصح له بعدم العمل إلا إذا بدأت حالته في التحسن وبدأ في التأقلم مع الأعراض الجانبية للأدوية النفسية أو حتي بدأت في الاختفاء مع الوقت.
•ولماذا يحتاج المريض النفسي أجازات مرضية؟
_قد يعتقد البعض أن المريض النفسي غالبا ً ليس في حاجة للراحة المرضية كما في حالات الأمراض العضوية كالجراحات والكسور والحميات وما إلى ذلك حيث أنه بدنيا ًيبدو سليما تماما ً وليس لديه ما يمنع من القيام بعمله،لكن الحقيقة غير ذلك تماما ً فالمرض النفسي
وإن كان ظاهريا ً لا يسبب العجز أو عدم القدرة على العمل لكن بالعكس فهناك بعض الأمراض النفسية قد تؤدي إلى عجز أكبر بكثير من المرض العضوي فمثلا ً مرض الاكتئاب النفسي الشديد و خصوصا ً التأخري أوالإرتدادي قد يجعل المريض في عزله وانطوائية
وغير قادر على الحركة حتى إنه لا يستطيع حلاقة ذقنه فما بالنا بالذهاب إلى العمل،أوكما في مرضى الذهان الحاد أو الفصام أو الهلاوس يكون الشخص في حالة تدهور عقلي و هياج
وتصرفات جنونية غريبة
ويصعب التعامل معه
وخصوصا ُ إذا كانت تنتابه نوبات غضب وعنف قد تؤدي إلى إيذاء الآخرين أو إيذاء نفسه أيضا ً وبالتالي فإننا بهذه الإجازة المرضية نحميه من الخطر الذي قد يصيبه أو نحمي الآخرين من خطورته إلى أن يستعيد حالته الذهنية الطبيعية ويستطيع التعاون مع زملائه
ورؤسائه وكل الذين يتعامل معهم،كما أن هناك بعض الأمراض النفسية الأخرى التي تجعل الشخص في حالة عدم استقرار نفسي واتزان انفعالي تمنعه من العمل بصورة طيبة، كما في حالات نوبات الهلع أو الصداع النصفي و ما إلى ذلك
وبالتالي يفضل عدم الذهاب إلى العمل وأخذ العلاج حتى تتحسن حالته النفسية.
•لمن نعطي الإجازات المرضية النفسية؟
_إن إعطاء أي مريض إجازة مرضية هي أمانة في عنق الطبيب يتحمل مسئوليتها أمام الله أولا ً كونها شهادة حق أو باطل في المقام الأول التي يجب أن تكون شهادة حق
وبالتالي فإن الأمانة تقتضي ألا نعطي الإجازات المرضية إلا لمن يستحقها فعلا ً سواء لمصلحة المريض إذا كان يستحقها فعلا ً عندما تكون حالة المريض النفسية والذهنية لا تسمح له بالذهاب للعمل وربما قد يؤدي الإستمرار في العمل لزيادة الاضطراب النفسي لدى المريض وتأخر الاستجابة للعلاج
وبالتالي ينصح له بالابتعاد عن الضغوط ومشاكل العمل
والتزاماته وصراعاته،أوربما أيضا نمنح المريض النفسي إجازة لمصلحة الآخرين نظرا لخطورة حالة المريض عليهم كما في مرضى الذهان والهوس والتهيج النفسي الانفعالي والإندفاعات والتهور والعدائية، وبالتالي نعطي المريض إجازة مرضية لنريح الآخرين من احتمالية إيذائه وكثرة مشاكله وإزعاجاته وتشاجره مع معظم الناس سواء الزملاء أوالرؤساء أوالمتعاملين معه فنريح المريض ونستريح منه إلى أن يعود لحالته النفسية الطبيعية.
•وما هي أسباب كثرة الأجازات الطبية النفسية؟
_إن تكرار حصول الموظف على إجازات مرضية نفسية له أسباب كثيرة،أولها يتعلق بالموظف نفسه حيث يكون غالبا ً غير مستقر نفسيا ً
وبالتالي فهو يعاني من أزمات نفسية أو انتكاسات مرضية بين الحين والآخر والتي تتطلب العلاج النفسي والراحة المرضية،أو ربما لأسباب خارجية تؤثر على حالة الموظف النفسية وأهمها تلك الأمور المتعلقة بالعمل مثل: نظام الورديات(نظام الشيفتات) والتي تتغير فيها مواعيد فترات العمل والراحة وبالتالي تؤدي إلى حالة من عدم الثبات أو الانتظام في مواعيد النوم
والاستيقاظ والتي تجعل الموظف أكثر عرضه لاضطرابات النوم وعدم الاستقرار النفسي أو ربما يكون العمل فيه بعض المخاطرة أو زيادة في الأعباء ومتطلبات العمل التي تفوق قدرات الموظف أو أنه يتعرض للظلم
والاضطهاد والإهانة والاذلال
وامتهان الكرامة والإساءات من جانب الزملاء أو الرؤساء،
وبالتالي تتأزم نفسية الموظف
ويصبح غير قادر على العمل
والهروب من هذه الضغوط بالإجازات المرضية المتكررة
ولهذا فإن هذه النوعية من العمال أو الموظفين والتي تتكرر إجازاتهم المرضية بصورة ملفتة للنظر يجب علينا دراسة أحوالهم الاجتماعية والوظيفية والنفسية حتى يتسنى لنا معرفة الأسباب الحقيقة وراء تكرار حصوله علي إجازات مرضية ومدى كفاءة الموظف النفسية لمواصلة العمل
وبالتالي يتم مساعدة أي موظف بصورة إيجابية للعودة للعمل بكفاءة وقدرات أفضل أو حتى يمكن تعديل مواقع
وطبيعة العمل حتى يعود لحالة الاستقرار النفسي عالية وربما يتم إعفاء الشخص من العمل نهائيا بإحالته إلى التقاعد بسبب المرض.
•ومتى يفضل عدم إعطاء أجازات مرضية نفسية؟
_في بعض الأحيان نرفض إعطاء المريض أجازات مرضية عندما نجد الموظف يبالغ في الشكاوي المرضية التي لا تتناسب مع الحالة المرضية الفعلية لديه و لكنه يصر ويلح في الحصول على إجازة مرضية،فمثل هؤلاء الأشخاص غالبا يدّعون المرض أوما يسمى شخص متمارض وكل ما يهمه هو الحصول على أي إجازات مرضية بأي وسيله للهروب من مسئولية العمل واستهلاك هذه الإجازات في اللهو وقضاء مصالحه الخاصة،وهناك بعض المرضى النفسيين لا يفضل إعطائهم إجازات مرضيه لأنها قد لا تفيدهم مثل مريض الوسواس القهري الذي يعتبر العمل أفضل له وذلك لشغل معظم وقت المريض وبالتالي لا توجد لديه أوقات فراغ يستسلم فيها للوساوس.
في النهاية يجب أن يعلم الجميع أن العمل من أهم الركائز التي تساعد على الاستقرار النفسي مصداقا لقول المولي سبحانه وتعالى:(وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخره ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك)،وكما قال الرسول الكريم:(إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا )، وبالتالي فإن الحصول على إجازات مرضية لا ينسجم مع تعاليم الدين الحنيف ولا مع تقاليد المجتمع ولا حتي مبادئ القيم الإنسانية التي ترفض أن يكون الإنسان عالة على غيره،كما أن الإجازات الكثيرة قد تؤدي للتبلد
واللامبالاة فلا نترك أنفسنا فريسة للراحة والنوم فالإنسان لايقاس بعدد سنوات عمره التي يعيشها ولكن قيمة الشخص تكون بقدر ما ينجزه في هذه الدنيا ولكي ننجز شيئا ً في حياتنا يجب أن نعمل ولا نلجأ إلى الإجازات المرضية إلا عند الضرورة فعلا حتي نترك بصمة مميزة عن حياتنا قد تخلد ذكرانا في المجتمع بعد الممات.
_______________
د.عزت عبدالعظيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top