بقلم: إبراهيم النعمي
ليست كل العلاقات تُبنى على المشاعر وحدها، فهناك روابط يصنعها الحب، ويثبتها الوفاء، وتحميها القيم والأخلاق. ويأتي الزواج في مقدمة هذه الروابط، فهو ليس مجرد عقد يُبرم، بل ميثاق غليظ يجمع بين قلبين، ويؤسس لأسرة تُبنى على السكن والمودة والرحمة. وحين يدرك الزوجان قدسية هذا الرباط، ويجعلان التسامح والاحترام أساس حياتهما، يصبح الزواج رحلةً عامرةً بالاستقرار والسعادة، رغم ما قد يعترضها من تحديات واختلافات.
الزواج ميثاقٌ غليظ، ورباطٌ شرعي يجمع بين رجل وامرأة على أساس المودة والرحمة، بهدف بناء أسرة مستقرة تُسهم في بناء مجتمع متماسك. وهو ليس مجرد عقد بين طرفين، بل شراكة إنسانية تقوم على الاحترام والتعاون وتحمل المسؤولية، ويهدف إلى الإحصان والعفاف، وتوفير السكينة والدعم العاطفي والأمان النفسي لكل من الزوجين.
وقد بيّن القرآن الكريم الغاية السامية من الزواج، فقال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21].
كما وجّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى حسن اختيار شريك الحياة، فقال: « تُنكَحُ المرأةُ لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك». (متفق عليه).
وقال صلى الله عليه وسلم: « إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض». (رواه الترمذي).
ولا تخلو حياة زوجية من اختلاف أو سوء فهم، فذلك من طبيعة البشر. غير أن نجاح الحياة الزوجية لا يكون بانعدام الخلاف، وإنما بحسن التعامل معه، وتغليب لغة الحوار والعفو، واستحضار ما بين الزوجين من مواقف جميلة وعشرة طيبة.
ولهذا جاء التوجيه الرباني البليغ: ﴿ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].
إن هذه الآية الكريمة تُعلّم الزوجين ألا يسمحا لخطأ عابر أن يمحو سنواتٍ من المودة والإحسان، وأن يكون الفضل السابق هو الميزان الذي يُرجّح كفة التسامح، فالعلاقة الناجحة هي التي تحفظ الجميل، وتغفر الزلات، وتبني المستقبل على المحبة لا على العتاب.
وقد أحسن الشاعر حين قال:
اللهُ يُغنيهِ وسيعًا فضلُهُ
هو الغنيُّ عطاؤهُ مشكورُ
أمرَ النبيُّ بذاتِ دينٍ زوجةً
فاظفرْ بذاتِ الدينِ هنَّ النورُ
المالُ يفنى والجمالُ وديعةٌ
والجاهُ يبلى كلُّ ذاك غرورُ
والباقياتُ الصالحاتُ ذخيرةٌ
مذخورةٌ ونعيمُها موفورُ
فالزواج ليس رحلةً تخلو من التحديات، وإنما هو ميثاق يقوم على الصبر والوفاء، وحسن العشرة، والتغاضي عن الهفوات، واستدامة المودة والرحمة. ومتى جعل الزوجان التقوى والأخلاق وحفظ الفضل أساسًا لحياتهما، كانت أسرتهما أكثر استقرارًا وسعادة، ونشأ الأبناء في بيئة يسودها الحب والطمأنينة.



