راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي
«ورحمةُ الله تسبق انكسار القلوب، ولطفُه يبلغ مواضع الألم التي لا يراها أحد، فهو سبحانه الرحيم، اللطيف، الحكيم، يعلم خفايا النفوس، ويجبر الكسير إذا صدق اللجوء إليه.»هناك مشهدٌ يتكرر كل يوم، لكنه لا يلفت انتباه أحد. أبوابٌ تُفتح مع شروق الشمس، وأخرى تُغلق مع غروبها، وسياراتٌ تعود إلى مواقفها، وأطفالٌ يركضون في الأزقة، وضحكاتٌ تتردد في المجالس. يبدو كل شيء طبيعيًا… لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.
فخلف كل بابٍ قصةٌ لا تُروى، وخلف كل ابتسامةٍ وجعٌ لا يُقال، وخلف كل صمتٍ معركةٌ لا يراها أحد.
لقد أصبح الإنسان في هذا الزمن بارعًا في إخفاء ألمه، حتى صار يضحك وهو ينهار، ويطمئن الناس عنه وهو يبحث في داخله عمَّن يطمئنه، ويقول: “أنا بخير”، ليس لأنه بخير، بل لأنه تعب من شرح ما لا يستطيع أحد أن يشعر به.
والأشد إيلامًا أننا أصبحنا نحكم على الناس من دقائق معدودة. نرى صورةً فنحسد، ونسمع خبرًا فنغار، ونشاهد بيتًا جميلًا فنظن أن السعادة تسكنه، وكأننا نسينا أن البيوت لا تُقاس بجمال جدرانها، بل بما يدور خلفها من سكينةٍ أو ألم.
كم من منزلٍ يبدو للناس جنةً، بينما أهله يتقاسمون الصمت بدل الحديث، والدموع بدل الكلمات. وكم من بيتٍ متواضعٍ في أثاثه، لكنه غنيٌّ بالمودة والرحمة، فيعيش أهله أغنى مما يملكه أصحاب القصور.
قال الله تعالى:
﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِۦٓ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾
[الملك: ١٣-١٤]
سبحانه… وحده يعلم ما لا تقوله الوجوه، وما تخفيه القلوب، وما تعجز الكلمات عن وصفه. يعلم دمعة الأب التي يخفيها عن أبنائه، وقلق الأم الذي تبتلعه كل ليلة، ووحشة الشاب الذي يضحك أمام أصحابه ثم يعود إلى غرفته مثقلًا بالهموم.
وقال رسول الله ﷺ:
«مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ.» متفق عليه.
إنها ليست دعوةً إلى تقديم المال فقط، بل إلى أن تكون حاضرًا بقلبك قبل يدك، وبكلمتك قبل عطائك، فكم من إنسانٍ لم يكن يحتاج إلا من يسمعه دون أن يحاكمه.
ويُروى عن الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله أنه كان إذا علم بحاجة إنسانٍ قضاها في الخفاء، ثم انصرف وكأنه لم يفعل شيئًا، لأنه كان يعلم أن الكريم سبحانه هو الذي يجازي، وأن جبر القلوب عبادةٌ لا تحتاج إلى شهود.
ويقول سقراط: “اعرف نفسك.” ولو عاش في زماننا لقال: “اعرف آلام الناس قبل أن تعرف أخطاءهم.” ويقول ماركوس أوريليوس: “كن رحيمًا؛ فكل إنسانٍ تقابله يخوض معركةً لا تعلم عنها شيئًا.” وهي حكمةٌ تختصر كثيرًا من مآسي مجتمعنا.
إننا نعيش زمنًا كثرت فيه الصور، وقلَّت فيه البصائر. نعرف أخبار الغرباء، ونجهل أحوال أقرب الناس إلينا. نحفظ أسماء المشاهير، وننسى أن نسأل عن جارٍ غاب أيامًا، أو قريبٍ تغير صوته، أو صديقٍ لم يعد يضحك كما كان.
ويا للمفارقة… أصبح بعض الناس يخشى أن يقول: “أنا متعب”، لأن المجتمع اعتاد أن يفسر التعب ضعفًا، والدمعة هزيمة، والشكوى قلة صبر. فاختار كثيرون الصمت، حتى صارت البيوت تمتلئ بالأحياء، لكنها تخفي في داخلها قلوبًا تستغيث.
إن كل بيتٍ يحمل امتحانه الذي كتبه الله له بحكمته وعدله، فلا تغتر بنعمةٍ تراها، ولا تحسد أحدًا على ظاهرٍ لا تعرف باطنه، فقد يكون يحمل من الهموم ما لو وُضع على جبلٍ لأثقله.
المجتمع لا يحتاج اليوم إلى مزيدٍ من المراقبين، بل إلى مزيدٍ من الرحماء. يحتاج إلى من يحسن الظن، ويلتمس العذر، ويطرق الأبواب ليسأل: “كيف حالكم؟” لا ليعد الأخطاء، بل ليخفف الأوجاع.
وفي النهاية… إذا رأيت إنسانًا يبتسم، فلا تظن أنك عرفت حكايته، وإذا رأيت بيتًا هادئًا، فلا تظن أن الهدوء يعني السلام، وإذا مررت بمن أثقلته الأيام، فلا تزده حملًا بحكمٍ متسرع. اترك السرائر لعلام الغيوب، وخذ من الرحمة نصيبًا، فإن الناس لا يحتاجون اليوم إلى من يكشف أوجاعهم، بل إلى من يخففها.
ولعل أجمل ما يخرج به الإنسان من هذه الحياة أن يكون سببًا في جبر قلبٍ كسره الزمن، أو في إدخال طمأنينةٍ إلى بيتٍ أنهكته الأيام. فذلك هو الأثر الذي يبقى، وذلك هو المعروف الذي يدخره الله لعبده، وهو سبحانه خير من يجزي، وأكرم من يعطي، وأرحم الراحمين.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



