راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي
وربُّنا سبحانه إذا أحبَّ عبدًا ألهمه أن يفرغ قلبه لما ينفعه، فبلطفه تُحفظ الأرواح، وبرحمته تستقيم البيوت، وبحكمته يبارك في الأعمار والأوقات.
كان الرجل يركض في كل اتجاه، يحمل هاتفين، وساعةً ذكية، وجدولًا مزدحمًا، ووجهًا متعبًا، وكلما سأله أحد: “كيف حالك؟” أجاب منتفخًا بشيءٍ من الزهو: “مشغول جدًا.” لم يكن يدري أن هذه الكلمة التي كان ينطقها بفخر، تحولت مع الأيام إلى وسامٍ اجتماعي، حتى صار بعض الناس يخجل أن يقول: “وجدت وقتًا لأجلس مع أمي”، بينما يفتخر أنه لم ينم إلا ثلاث ساعات! وكأن الإنسان لم يعد يُقاس بحسن خلقه، ولا بعظيم أثره، بل بعدد المواعيد التي يطاردها، وعدد الرسائل التي لم يرد عليها، وعدد الوجبات التي أكلها واقفًا.
وهكذا، بهدوءٍ لا يشعر به أحد، أصبح الانشغال فضيلةً مزيفة.
ولم تكن الحياة يومًا تُقاس بسرعة الأقدام، بل بسكينة القلوب. فما أكثر من يركضون، وما أقل من يصلون. وما أكثر الضجيج، وما أقل البركة. والله سبحانه هو المبارك، وهو الذي يبارك في القليل حتى يغني، وينزع البركة من الكثير فلا يكفي. وليس العمر بطوله، وإنما بما يبارك الله فيه من عملٍ صالح، ورحمةٍ بالناس، وإخلاصٍ له وحده لا شريك له.
قال الله تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
تأمل كيف أقسم الله بالعصر، لأنه ميدان الأعمار، ورأس مال الإنسان، فمن باع وقته فيما لا ينفع فقد باع شيئًا لا يستطيع شراءه مرةً أخرى.
وقال رسول الله ﷺ:
«نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناسِ: الصحةُ والفراغُ.»
رواه البخاري.
ولم يقل عليه الصلاة والسلام إن الانشغال نعمة، بل بيّن أن الفراغ إذا استُثمر كان من أعظم النعم، لأن القضية ليست أن تمتلئ الساعات، وإنما أن تمتلئ بالطاعة والخير والنفع.
ويُروى أن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله، مع ما كان يحمله من أعباء دولةٍ تمتد أطرافها، كان إذا جاءه ابنه جلس إليه بكامل حضوره، وإذا دخل عليه مظلومٌ أنصت إليه حتى يفرغ، وكأن الدنيا كلها توقفت حتى ينتهي من حق أخيه المسلم. لم يكن الانشغال عنده عذرًا لترك الحقوق، بل كان ترتيب الأولويات عبادةً يتقرب بها إلى الله. ولهذا بقي ذكره حيًا، لأن الله يرفع من أخلص له، ويبارك أثر من راقب الله في سره وعلانيته.
أما نحن، فقد أصبح بعضنا يعتذر عن زيارة والديه لأنه “مشغول”، ثم يجلس ساعةً كاملة يتنقل بين مقاطع لا يتذكر منها شيئًا بعد دقائق. ويعتذر عن صلة رحمه لأنه “منهك”، لكنه لا يمل من متابعة أخبار أناسٍ لا يعرفهم، ولا يعرفونه. يا للمفارقة! لقد أصبح الإنسان يعتذر عن أثمن الناس، ولا يعتذر عن أكثر الأشياء تفاهة.
ولعل الفيلسوف سينيكا أصاب حين قال: “ليست الحياة قصيرة، ولكننا نهدر كثيرًا منها.” وكأن الرجل كان يصف زمننا، لا زمنه. أما الإمام ابن القيم رحمه الله، فقد لخص القضية كلها بقوله: “إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة.” وما أعمقها من كلمة، فالموت يقطعك عن الدنيا، أما ضياع الوقت فقد يحرمك خير الدنيا والآخرة.
ومن طرائف عصرنا أن بعض الناس إذا رأى صديقًا لا يحمل هاتفه ظنه عاطلًا عن العمل، وإذا وجده يجلس مع أسرته قال مستغربًا: “أليس لديك شيء يشغلك؟” حتى أصبح الانشغال نفسه مقياسًا للنجاح، مع أن أعظم الناجحين هم الذين عرفوا كيف يضعون لكل شيء حقه.
وقد انتشرت قبل مدة قصة رجل أعمال كان لا يجد وقتًا للجلوس مع ابنه الصغير، حتى كتب له الطفل في ورقة: “أبي… متى أستطيع حجز موعد معك؟” لم تكن الورقة شكوى، بل كانت صفعةً أيقظت قلب الأب. أغلق كثيرًا من أعماله، وخصص وقتًا ثابتًا لأسرته، ثم قال بعد سنوات: “اكتشفت أن أكثر الصفقات ربحًا لم تكن في السوق، بل على مائدة العشاء مع أولادي.” وهكذا يعيد الله القلوب إلى رشدها إذا صدقت النيات، فهو سبحانه اللطيف، الهادي، الكريم، لا يرد من أناب إليه.
إن المشكلة ليست في كثرة الأعمال، بل في فوضى الأولويات. فكم من رجلٍ مشغولٍ لكنه بار بوالديه، رحيم بأهله، حاضر مع أولاده، موفق في عبادته، لأن الله بارك له في وقته. وكم من آخر لا يكاد يصنع شيئًا، ومع ذلك يردد صباح مساء: “لا وقت لدي.”
ولقد قال المهاتما غاندي: “هناك في الحياة ما هو أهم من زيادة سرعتها.” وهي كلمة يصدقها كل من تأمل واقعنا. فنحن نزداد سرعة، لكننا لا نزداد قربًا. نزداد اتصالًا، لكننا لا نزداد معرفةً ببعضنا. نزداد ازدحامًا، لكن قلوبنا تزداد فراغًا.
إن البيوت لا تهدمها الحروب وحدها، بل يهدمها أيضًا الانشغال الدائم. والطفل لا يشعر باليتم إذا فقد أباه فقط، بل قد يشعر به وأبوه يجلس أمامه، منشغلًا عنه بكل شيء إلا هو. والزوجة لا يوجعها تعب زوجها بقدر ما يوجعها أن تكون آخر قائمة اهتماماته. والأم لا تريد هديةً ثمينة، بل تريد ساعةً من ولدها لا ينظر فيها إلى هاتفه.
فلنسأل أنفسنا بصدق: هل نحن مشغولون حقًا، أم أننا أصبحنا نجيد التظاهر بالانشغال؟
فإن كان العمل يقربنا إلى الله، ويزيدنا برًا، ورحمةً، وإحسانًا، فهو نعمة عظيمة. وإن كان يسرق منا الصلاة، والوالدين، والأبناء، والأصدقاء، وراحة القلوب، فهو ليس نجاحًا، بل خسارة ترتدي ثوب الإنجاز.
وفي النهاية، سيكتشف كل واحدٍ منا أن الحياة لم تكن تنتظر عدد الاجتماعات التي حضرها، ولا عدد الرسائل التي أجاب عنها، وإنما كانت تنتظر قلبًا عامرًا بذكر الله، ولسانًا صادقًا، وبيتًا دافئًا، ووالدين راضيين، وأرحامًا موصولة، وأثرًا طيبًا يبقى بعد الرحيل. فمن بارك الله وقته فقد أغناه، ومن وكله الله إلى نفسه، فلن تكفيه ساعات الدنيا كلها.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



