مراكز الرعاية النهارية… هل هي المحطة الأخيرة أم بداية الطريق؟

راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي

«وربما كان لطفُ الله أن يجعل لكل نهايةٍ بابًا، ولكل بابٍ أملًا، ولكل قلبٍ ينتظر… يدًا رحيمة تقوده إلى الطريق الذي كتبه له.»
في صباحٍ هادئ، كانت تمسك بشهادة تخرجها بكلتا يديها، بينما كانت أمها تمسك دموعها بكلتا عينيها. لم يكن المشهد حزينًا، لكنه كان مثقلًا بالسؤال الذي لم يستطع أحدٌ أن يجيب عنه.
وماذا بعد؟
انتهت سنوات الدراسة في الثانوية الفكرية، وانتهت معها الطوابير الصباحية، والحصص الدراسية، والوجوه التي اعتادت أن تراها كل يوم. لكن الحياة لم تنتهِ، والأحلام لم تنطفئ، والقلب ما زال يتطلع إلى غدٍ يحمل له مكانًا يشعر فيه بالأمان، والإنجاز، والانتماء.
ذلك السؤال لا يخص فتاةً واحدة، بل يسكن بيوتًا كثيرة. فهناك آباء وأمهات يبتسمون يوم التخرج، بينما يخشون في أعماقهم أن يتحول ذلك اليوم الجميل إلى بداية فراغٍ طويل، وأن تبقى ابنتهم أسيرة المنزل بعدما كانت أسيرة الجرس المدرسي.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية التي ربما لا يعرفها كثير من أفراد المجتمع…
مراكز الرعاية النهارية.
ليست مباني تُفتح أبوابها في الصباح وتُغلق في المساء، وليست مكانًا لتمضية الوقت، كما يظن البعض، بل هي امتداد للحياة نفسها، وجسرٌ تعبر عليه الخريجات من مرحلة التعليم إلى مرحلة أكثر نضجًا واستقلالًا.
في هذه المراكز لا يُنظر إلى الفتاة على أنها شهادة انتهت، بل على أنها إنسانة ما زالت تمتلك القدرة على التعلم، والتطور، والإبداع، وصناعة الإنجاز بما يتناسب مع إمكاناتها وقدراتها.
هناك تبدأ الحكاية من جديد.
تتعلم كيف تعتمد على نفسها، وكيف تنظم وقتها، وكيف تتواصل بثقة مع الآخرين، وكيف تكتشف موهبة ربما ظلت سنوات طويلة تبحث عمن يوقظها. وقد يكون الإنجاز الذي تحققه بسيطًا في نظر الآخرين، لكنه عند أسرتها يعني أن المستقبل ما زال يبتسم لها.
كم من فتاة دخلت مركزًا للرعاية النهارية وهي تخشى الاختلاط بالآخرين، ثم خرجت أكثر ثقة بنفسها، وأكثر قدرة على التعبير، وأكثر إقبالًا على الحياة.
وكم من أمٍّ كانت تخاف أن ينتهي دور ابنتها بانتهاء الدراسة، فإذا بها تكتشف أن التخرج لم يكن سوى بداية فصلٍ جديد، مليء بالتعلم، والأنشطة، والتأهيل، والنجاحات الصغيرة التي تتراكم حتى تصنع نجاحًا كبيرًا.
إن مراكز الرعاية النهارية لا تعلّم المهارات فحسب، بل تعيد بناء الثقة، وتمنح الخريجات شعورًا بأن لهن مكانًا في هذا المجتمع، وأن لهن قيمة، وأن الطريق أمامهن لم يُغلق.
إن المجتمع الذي يحتضن أبناءه وبناته بعد التخرج، هو مجتمع لا يؤمن بأن الشهادة هي نهاية التعلم، بل يؤمن أن الإنسان يستحق أن يجد فرصةً في كل مرحلة من مراحل حياته.
ومن المؤلم أن يختزل البعض هذه المراكز في مفهوم الرعاية فقط، بينما الحقيقة أنها مراكز للحياة، وللتأهيل، ولصناعة الاستقلال، ولتنمية القدرات، ولإعداد الفتاة لتكون أكثر اعتمادًا على نفسها، وأكثر مشاركةً في مجتمعها، وأكثر سعادةً بيومها.
ولذلك فإن دعم هذه المراكز، والتعريف برسالتها، وتشجيع الأسر على الاستفادة منها، ليس عملًا اجتماعيًا فحسب، بل هو استثمار في الإنسان، والاستثمار في الإنسان هو أعظم ما يمكن أن يقدمه أي وطن لأبنائه.
فكل فتاة تجد فيها من يؤمن بقدراتها، ومن يصبر على خطواتها، ومن يحتفل بإنجازاتها، تخرج وهي تحمل شيئًا لا تمنحه الشهادات وحدها…
تحمل ثقةً بالحياة.
وفي الختام…
إذا كان التخرج يطوي صفحةً من العمر، فإن مراكز الرعاية النهارية تفتح صفحاتٍ جديدة لا تزال بيضاء، تنتظر أن تُكتب فيها قصص النجاح، والثقة، والاستقلال.
فلنجعل سؤال: “ماذا بعد الثانوية الفكرية؟” يتحول إلى يقينٍ جميل يقول:
هناك طريقٌ آخر… يبدأ من مراكز الرعاية النهارية، ولا ينتهي إلا بابتسامة فتاةٍ وجدت مكانها، وأثبتت أن الأحلام لا تُقاس بالظروف، بل بالإرادة، وبمن يؤمن بها.

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

bismallah34@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top