عبد الرحمن الغسلان.. رحلة تحدٍ بدأت من الحضانة وانتهت بكتاب «أنا قادر على الإنجاز»

بقلم ــ عبد الرحمن الغسلان – حائل

الجزء الأول

هناك قصص تبدأ من لحظة ميلادها بمواجهة ظروف استثنائية، لكنها تتحول مع مرور الوقت إلى نماذج ملهمة في الصبر والإصرار وتحقيق الإنجاز. ومن بين هذه القصص، تبرز رحلة الكاتب والإعلامي عبد الرحمن الغسلان، الذي وثق تفاصيلها في كتابه «أنا قادر على الإنجاز»، ليقدم تجربة إنسانية تؤكد أن الطموح لا تحده الإعاقة، وأن الإرادة قادرة على تجاوز أصعب التحديات.

بدأت رحلة عبد الرحمن منذ ولادته خديجًا بعد ستة أشهر من الحمل، ولم يتجاوز وزنه آنذاك 600 جرام تقريبًا، الأمر الذي جعل سنواته الأولى تمضي بين المستشفيات وغرف العمليات والمتابعة الطبية المستمرة. وكانت تلك البداية كفيلة بأن تجعل طريق الحياة أكثر صعوبة، لكنها لم تستطع أن تنتزع منه الأمل أو توقف أحلامه.

ويعيش الغسلان منذ ولادته مع إعاقة حركية تتمثل في استسقاء الرأس، وقد استدعت حالته إجراء تدخلات جراحية متواصلة على مدى أكثر من اثنين وعشرين عامًا، إلى جانب تركيب وصلة بريتونية، كما يعاني ضعفًا شديدًا في الجانب الأيسر من الجسم وصعوبة في الحركة والمشي. وبرغم هذه التحديات الصحية، ظل مؤمنًا بأن الإنسان لا يُعرَّف بظروفه، وإنما بما يحققه من إنجازات.

ومن هذا الإيمان وُلد كتاب «أنا قادر على الإنجاز»، الذي لم يكتبه بوصفه سيرة ذاتية فحسب، بل باعتباره رسالة موجهة إلى كل شخص يواجه تحديات الحياة، وإلى كل أسرة لديها ابن أو ابنة من ذوي الإعاقة، ليؤكد أن الإصرار والثقة بالله والعمل المستمر قادرة على صناعة النجاح مهما كانت البدايات صعبة.

ويستعرض الكتاب رحلة انتقاله من طفل يقضي معظم وقته في المستشفيات إلى شاب يسعى إلى بناء ذاته، وتنمية مهاراته، وتحقيق حلمه في الإعلام والكتابة، مؤمنًا بأن لكل إنسان رسالة ينبغي أن يؤديها بإخلاص، وأن رسالته تتمثل في نقل تجربته، وإبراز قدرات الأشخاص ذوي الإعاقة، وإيصال صوتهم إلى المجتمع.

ولم تكن التحديات الصحية نهاية الطريق، بل كانت نقطة البداية لمسيرة طويلة من التعلم والاجتهاد، والبحث عن الفرص التي تمكنه من تطوير نفسه، حتى بدأت ملامح حلمه الإعلامي تتشكل، لتقوده لاحقًا إلى عالم الخطابة والكتابة والعمل الإعلامي، وهي المحطات التي شكّلت منعطفًا مهمًا في حياته، وأسهمت في بناء شخصيته المهنية والإنسانية.

الجزء الثاني

بداية التحول.. نادي الأمل يصنع أولى خطوات الرحلة الإعلامية

بعد سنوات طويلة من مواجهة التحديات الصحية، أدرك عبد الرحمن الغسلان أن صناعة المستقبل لا تتوقف عند حدود العلاج أو الظروف التي يمر بها الإنسان، بل تبدأ عندما يمنح نفسه فرصة لاكتشاف قدراته. ومن هنا جاءت نقطة التحول الحقيقية في حياته، عندما اتجه إلى عالم الكتابة والإلقاء والخطابة.

وفي عام 2021م بدأت الانطلاقة الفعلية لمسيرته الإعلامية، حين تعرّف على نادي الأمل أونلاين للخطابة، وهي التجربة التي يصفها بأنها كانت من أهم المحطات التي صنعت شخصيته، لأنها جمعت بين موهبة الكتابة وفن الإلقاء، وأكسبته الثقة في الوقوف أمام الجمهور والتعبير عن أفكاره بكل وضوح.

ويؤكد الغسلان أن الفضل بعد الله في الوصول إلى هذه الفرصة يعود إلى الأخت هناء سعود التيماني، التي دلّته على رئيس نادي الأمل آنذاك، وشجعته على خوض التجربة، وكانت من أوائل من آمنوا بقدرته على النجاح في مجال الخطابة والإلقاء، وهو الدعم الذي منحه دافعًا قويًا للدخول إلى هذا العالم بثقة.

ومنذ مشاركته الأولى، بدأ يكتشف قدراته الحقيقية، وأصبح الوقوف أمام الجمهور تجربة ممتعة بالنسبة له بعد أن كان أمرًا يثير التردد والخوف. كما تعلم كيف يحول أفكاره ومشاعره إلى رسائل مؤثرة، وأدرك أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تصنع أثرًا يبقى في نفوس الناس.

وشكل نادي الأمل البيئة التي ساعدته على تنمية مهاراته في الإلقاء، وتعزيز ثقته بنفسه، وربط موهبته في الكتابة بفن الخطابة، لتبدأ ملامح شخصيته الإعلامية في الظهور بصورة أوضح مع مرور الوقت.

وفي الأول من ديسمبر عام 2021م انضم عبد الرحمن الغسلان رسميًا إلى نادي الأمل للخطابة والإلقاء، وشارك في تنفيذ عدد من المشاريع التدريبية والخطابية، وكان من أبرزها مشروع «كسر الجمود»، الذي أسهم في تطوير مهاراته في التواصل والإلقاء، وعزز من حضوره وثقته أثناء الحديث أمام الجمهور.

وخلال تلك المرحلة، التقى بالأستاذة منى الوقيصي، في قصة يصفها بأنها من أكثر المواقف الإنسانية تأثيرًا في حياته. فقد جاء إلى النادي وهو يحمل شيئًا من التردد، إلا أن كلماتها المشجعة واستقبالها الدافئ منحاه الشعور بأنه في المكان الذي يستطيع من خلاله أن يحقق أحلامه.

ولم يقتصر دعمها على التشجيع المعنوي، بل بادرت إلى دفع رسوم اشتراكه في النادي من تلقاء نفسها، رغم أنها لم تكن تعرفه إلا من خلال اسمه. ويؤكد الغسلان أن هذا الموقف لم يكن مجرد مساعدة مالية، بل كان رسالة ثقة وإيمان بقدراته، وكان له أثر عميق في نفسه، حتى إنه يعتز بلقب «أبو منى» تقديرًا وعرفانًا لما قدمته له في بداية رحلته.

الجزء الثالث

من التحدي إلى الظهور الإعلامي.. محطات صنعت الثقة

بعد أن رسخ حضوره في نادي الأمل، بدأت أمام عبد الرحمن الغسلان أبواب جديدة في الإعلام. ففي الثامن من أكتوبر 2022م تلقى ترشيحًا من المدير التنفيذي لفرع الجمعية السعودية لذوي الإعاقة (جستر) بمنطقة حائل، الأستاذة مرام الجزاع، ليكون ضيفًا في أحد برامج القناة السعودية الأولى الذي يتناول قصص الأشخاص ذوي الإعاقة وطموحاتهم.

ويمثل هذا الترشيح محطة فارقة في مسيرته؛ إذ أتاح له فرصة نقل تجربته إلى شريحة واسعة من المجتمع، وإبراز أن الأشخاص ذوي الإعاقة يمتلكون الطموح والقدرة على الإنجاز متى ما وجدوا الدعم والفرصة المناسبة، ويؤكد الغسلان أنه لا ينسى فضل الأستاذة مرام الجزاع بعد الله في هذا الترشيح الكريم.

وتواصلت خطواته الإعلامية بأول استضافة تلفزيونية عبر قناة صاد الفضائية، حيث تحدث عن جمعية حفظ النعمة بمنطقة حائل ودورها في خدمة المجتمع، وكانت تلك التجربة أول ظهور له أمام الكاميرا، لتفتح أمامه نافذة جديدة نحو الإعلام المرئي، وتمنحه خبرة وثقة أكبر في الحوار والظهور الإعلامي.

وبعد تلك التجربة، بدأ يكتب مقالاته الأدبية والصحفية وينشرها في المنتديات الأدبية، مستفيدًا من التشجيع الذي تلقاه من عدد من أساتذته ومعلمي الأدب، لتصبح الكتابة جزءًا أساسيًا من رحلته الإعلامية.

الجزء الرابع

التغلب على التأتأة والانطلاق في الإعلام والعمل التطوعي

لم تكن رحلة عبد الرحمن الغسلان خالية من التحديات الشخصية، فقد واجه في إحدى السنوات خلال شهر رمضان صعوبة في التعبير بسبب التأتأة، الأمر الذي أثر في ثقته بنفسه أثناء الحديث.

وفي تلك الفترة تواصل مع الأستاذة جميلة الزحيفي وشرح لها ما يمر به، فوجد منها كل الاهتمام والدعم. بدأت معه رحلة تدريب وتمارين متخصصة هدفت إلى تحسين النطق وتعزيز الثقة أثناء الحديث، واستمرت تلك المرحلة بالصبر والمتابعة حتى بدأت النتائج تظهر تدريجيًا.

ويؤكد الغسلان أن هذه التجربة كانت نقطة تحول في حياته، إذ أصبح أكثر قدرة على التحدث بطلاقة وراحة وثقة، ويعتبر أن الدعم الذي وجده من الأستاذة جميلة الزحيفي، إلى جانب الدعم الذي تلقاه من الأستاذة منى الوقيصي، كان له أثر كبير في صقل شخصيته الإعلامية ومنحه الشجاعة للاستمرار في طريقه.

وبالتزامن مع ذلك، واصل تعليمه في كلية المجتمع بحائل، وشارك في العديد من الأنشطة والمناسبات الأدبية والوطنية، كما انضم إلى نادي توستماسترز، وقدم عددًا من المشاريع الخطابية، من أبرزها مشروع «كسر الجمود»، الذي أسهم في تطوير مهاراته في الإلقاء والقيادة.

كما تم اختياره ضمن مجلس إدارة وحدة التطوع في جمعية حفظ النعمة بحائل، في خطوة عكست حرصه على الجمع بين العمل الإعلامي والعمل التطوعي وخدمة المجتمع.

الجزء الخامس

إذاعة الرياض.. خبر الرياض.. ورسالة إعلامية مستمرة

ومع تطور خبراته، بدأ عبد الرحمن الغسلان مرحلة جديدة في مسيرته الإعلامية، انتقل خلالها من الشغف الشخصي إلى العمل الإعلامي المهني، مؤمنًا بأن الإعلام رسالة ومسؤولية قبل أن يكون مهنة.

وسنحت له الفرصة بالمشاركة في إذاعة الرياض من خلال مكتبها الإعلامي في حائل قبل تخرجه في المرحلة الثانوية، وكانت تلك المشاركة بداية عملية لاكتساب الخبرة الإعلامية، ثم جاءت محطة أخرى مؤثرة عندما شارك في أحد البرامج الظهرية مع المذيعة تغريد المطيري، التي سألته عن شغفه، فأجابها بأنه يحب الكتابة لكنه لا يعرف كيف يبدأ.

وكان ردها: «اكتب أول مقالك وسوف يخرج بنجاح»، وهي الكلمات التي يعتبرها الغسلان الشرارة الأولى لانطلاقه في كتابة المقالات الأدبية والصحفية، والتي واصل بعدها تطوير أدواته في الكتابة والإعلام.

وفي مرحلة لاحقة، وجد في صحيفة خبر الرياض البيئة التي احتضنت موهبته الإعلامية، وكان للمشرف العام على الصحيفة الأستاذ عبد الله العيسى دور في دعمه ومنحه الفرصة لخدمة المجتمع من خلال العمل الصحفي.

وفي الثاني من ديسمبر 2024م، تلقى اتصالًا من الأستاذ عبد الله العيسى أبلغه فيه باختياره مديرًا لمكتب صحيفة خبر الرياض بمنطقة حائل، وهو تكليف اعتبره تتويجًا لسنوات من العمل والاجتهاد والثقة التي منحته إياها إدارة الصحيفة.

ويختتم الغسلان رحلته بالتأكيد على أن كتاب «أنا قادر على الإنجاز» ليس مجرد قصة شخصية، بل رسالة إلى كل من يواجه تحديات الحياة، مفادها أن النجاح يبدأ بالإيمان بالله ثم بالإصرار والعمل واستثمار الفرص، وأن الدعم الصادق الذي وجده من أسرته، ومنى الوقيصي، وجميلة الزحيفي، ومرام الجزاع، وهناء سعود التيماني، وعبد الله العيسى، وغيرهم من الداعمين، كان جزءًا من رحلة ما كانت لتكتمل لولا توفيق الله أولًا، ثم الوقوف الصادق إلى جانبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top