✒️- راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي
وإذا ضاقت بالعبد دروبُ الناس، وسَّع الله له من رحمته ما يطمئن به قلبه، فهو سبحانه الواحد الأحد، الرحيم الودود، يؤنس القلوب بذكره، ويحفظها بلطفه، ويهديها إلى الخير حيث كان.
ليست كل الأرزاق تُحمل في اليد، فبعضها يُسكب في القلب سكينةً لا تُشترى، وبعضها يأتي في هيئة إنسان، لا يملك مفاتيح الدنيا، لكنه يملك كلمةً إذا قالها أراح قلبًا، ونظرةً إذا أرسلها بددت وحشةً، وصمتًا إذا جلس معك كان أبلغ من آلاف الأحاديث. ومن عجيب حكمة الله أن الأرواح لا تُغنيها كثرة الوجوه، وإنما يغنيها صدق وجهٍ واحدٍ يجعلها تشعر أنها في مأمن.
كم من إنسانٍ ظن أن السعادة تسكن البيوت الفارهة، فإذا بها تسكن قلبًا عامرًا بذكر الله. وكم من آخر جمع الناس حوله، لكنه لم يجد بينهم روحًا واحدة تُطفئ عطش قلبه. إننا في زمنٍ صار فيه الهاتف يعرف أخبارنا أكثر من جيراننا، وصارت الابتسامات تُرسل بالرموز، بينما الوجوه الحقيقية تزداد عبوسًا. يا للمفارقة! أصبح الإنسان يتقن تحديث تطبيقاته كل أسبوع، لكنه نسي أن يُحدِّث قلبه بالإيمان، وأن يُنظف روحه من الضجيج.
وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. فليست الطمأنينة صناعة بشر، ولا تُشترى بمال، ولا يمنحها منصب، وإنما هي هبةٌ من الله وحده، يفيض بها على من أقبل عليه صادقًا، وأحسن الظن به، وعرف أن كل خيرٍ فمنه سبحانه.
وكان رسول الله ﷺ يقول: «مثلُ الجليسِ الصالحِ والجليسِ السوءِ كحاملِ المسكِ ونافخِ الكير…» متفق عليه. وكأن الحديث يرسم لنا قانونًا اجتماعيًا خالدًا؛ فالإنسان يتأثر بمن حوله أكثر مما يظن، وتنتقل إليه السكينة كما ينتقل القلق، وينعكس عليه النور كما ينعكس الظلام.
ويُروى أن الإمام الجليل عبد الله بن المبارك رحمه الله كان إذا جلس إليه الناس خرجوا من مجلسه بقلوبٍ أخف مما دخلوا، لا لأنه كان يملك حلول الدنيا، ولكن لأنه كان يذكرهم بالله، ويزرع في نفوسهم حسن الظن بربهم، حتى قيل: “إذا رأيته ذكرك بالله حاله قبل مقاله.” وما أحوج زماننا إلى أناسٍ إذا رأيتهم ازددت يقينًا، وإذا حدثوك ازددت أملًا، وإذا فارقتهم بقي أثرهم الجميل في قلبك أيامًا طويلة.
ولعل الفيلسوف أرسطو أصاب حين قال: “الصديق نفسٌ واحدة تسكن جسدين.” غير أن المؤمن يزيد على ذلك فيقول: إن الأرواح لا تتآلف إلا بإذن الله، ولا تدوم مودتها إلا بطاعته، ولا تباركها إلا رحمته. أما جلال الدين الرومي فقد قال: “ما خُلق الحب ليُتعب القلب، وإنما خُلق ليعيده إلى الحياة.” وحين يقرأ المؤمن هذه المعاني يدرك أن أكمل صور المحبة هي التي تُقرب إلى الله، وتزيد النفس صلاحًا وسكينة.
وفي أيامنا هذه نرى قصة تتكرر كثيرًا؛ شابٌ أنهكته ضغوط الحياة، وأوشك أن يستسلم لليأس، ثم ساق الله إليه زميلًا صالحًا لم يمنحه مالًا ولا وظيفة، وإنما منحه أذنًا تُصغي، ودعاءً بظهر الغيب، وكلمة: “لا تيأس، فإن الله معك.” وبعد سنوات كان ذلك الشاب يقول: لم يكن أعظم ما غيَّر حياتي الفرص، بل الإنسان الذي ذكّرني بالله عندما نسيت نفسي. وهكذا يصنع الله لعباده أسباب الطمأنينة، فلا تنسب الفضل إلا إليه، ولا الحمد إلا له، ولا المنة إلا منه سبحانه.
وليس كل من أضحكك أسعدك، ولا كل من أكثر الكلام أحبك، فبعض الناس يشبهون الألعاب النارية؛ يملؤون المكان ضجيجًا ثم ينطفئون، وبعضهم كالمطر الهادئ؛ لا يرفع صوته، لكنه يترك الأرض بعده أكثر حياة. ويا لسخرية هذا العصر، أصبح البعض يطلب “راحة البال” من الأشخاص أنفسهم الذين سرقوا منه راحة البال! يركض خلف من يرهقه، ثم يتساءل لماذا لا ينام قلبه مطمئنًا.
إن الأرواح لا تُخطئ حين تميل إلى من يخاف الله، لأن من عرف الله أحسن إلى خلقه، ومن امتلأ قلبه بتعظيم الله ضاقت نفسه عن الظلم، واتسعت للرحمة، وصار حضوره رحمة، وكلامه رحمة، وصمته رحمة. وليس المقصود أن الناس ملائكة، ولكن المقصود أن خيرهم من إذا أخطأ رجع، وإذا أساء اعتذر، وإذا أحب أحب لله، وإذا أعطى ابتغى وجه الله.
وفي نهاية المطاف، ستكتشف أن أجمل من مروا في حياتك ليسوا أصحاب الضجيج، بل أصحاب السكينة. أولئك الذين إذا ضاقت بك الدنيا ذكّروك بالله، وإذا ضعفت يدك أخذوا بها إلى الخير، وإذا تعبت روحك لم يزدها كلامهم تعبًا، بل جعلوك ترى أن الله أرحم بك من نفسك، وأكرم عليك من كل الناس، وأن من توكل عليه كفاه، ومن اعتصم به نجاه، ومن أحسن الظن به لم يخيبه أبدًا.
فاللهم يا واحد يا أحد، يا رحمن يا رحيم، ارزقنا قلوبًا عامرةً بذكرك، وأرواحًا لا تألف إلا الصالحين، وأبعد عنا كل صحبةٍ تُقسِّي القلب، واجعل خير أنسنا بك، وأعظم طمأنينتنا في طاعتك، وأدم علينا نعمك الظاهرة والباطنة، إنك على كل شيء قدير.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



