راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي
حين يرحم الله قلبًا، يجعله واسعًا بالعفو، غنيًا بالسكينة، فلا يحمل إلا ما يقرّبه إليه، ولا يترك فيه مكانًا لما يفسد طمأنينته.
ليست القوة أن تنتصر في كل معركة، ولا الذكاء أن تحفظ أسماء من أساؤوا إليك واحدًا واحدًا، ولا الفطنة أن تتقن فن الرد القاسي، بل إن أعظم انتصار يحققه الإنسان هو أن ينام وقلبه خفيف، لا يحمل حقدًا، ولا يجر خلفه عرباتٍ ممتلئة بالضغائن، ولا يوقظ كل صباح محكمةً داخل صدره لمحاكمة الناس.
سلامة الصدر ليست سذاجة كما يظن البعض، وليست ضعفًا ولا استسلامًا، وإنما منزلة عالية لا يبلغها إلا من عرف الله حق المعرفة، فعرف أن العدل لله، وأن الجزاء لله، وأن القلوب بين يدي الله، وأنه سبحانه هو الحكيم الذي لا يظلم أحدًا، وهو اللطيف بعباده، الرحيم بهم، الكريم الذي يبدل مرارة العفو حلاوةً في القلب، ويجعل المتسامح أول الرابحين.
كم هو عجيب هذا الإنسان! يحمل هاتفًا لا تزيد ذاكرته على أعوام قليلة، فيحرص على تنظيفه كل أسبوع، لكنه يحمل قلبًا يعيش معه العمر كله، ثم يتركه ممتلئًا بصور الخصومات، ورسائل الكراهية، وأرشيف الإساءة، وكأنه يخشى أن يضيع شيء من الألم!
وما أكثر الذين يعتنون بوجوههم أمام المرآة، بينما قلوبهم تحتاج إلى مرآة أخرى، تمسح عنها غبار الغيرة، وصدأ الحسد، ودخان الأحقاد.
ولقد وصف الله أهل الجنة بأعظم وصف قلبي، فقال سبحانه وتعالى:
﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧].
تأمل هذا المشهد العظيم؛ لم يبدأ الله بالقصور، ولا الأنهار، ولا الثمار، وإنما بدأ بنزع الغل من القلوب، لأن النعيم الحقيقي يبدأ من الداخل، فالقلوب إذا صلحت استراحت، وإذا استراحت أشرقت الحياة كلها.
وكان رسول الله ﷺ يبين منزلة صاحب القلب السليم، ففي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال عن رجل من الأنصار ثلاث مرات: «يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة»، فلما تتبع عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عمله لم يجد كثرة صلاة ولا صيام، فقال الرجل: غير أني لا أجد في نفسي لأحدٍ من المسلمين غشًّا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: «هذه التي بلغت بك.» رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
يا لها من منزلة! لم يبلغها بكثرة الكلام، ولا بطول المجالس، وإنما بقلب نظيف.
ويحكى عن الإمام الجليل الحسن البصري رحمه الله أن رجلًا شتمه، فابتسم ثم قال: “إن كنتَ صادقًا فغفر الله لي، وإن كنتَ كاذبًا فغفر الله لك.” لم يكن ذلك عجزًا عن الرد، ولكنه كان يعلم أن القلب الذي يسكنه ذكر الله أكرم من أن تؤجر فيه الضغائن.
وقال ماركوس أوريليوس: “أفضل انتقام هو ألا تصبح مثل من أساء إليك.” وقال كونفوشيوس: “قبل أن تبدأ رحلة الانتقام احفر قبرين.” وهي كلمات وافقت معنىً عظيمًا جاءت به الشريعة قبل قرون؛ فالمؤمن لا يسمح للشر أن يعيد تشكيل قلبه.
وفي زماننا هذا وقعت قصة مؤثرة لرجل تعرض للاحتيال وخسر مالًا كثيرًا جمعه طوال سنوات. ظن الناس أنه سيعيش عمره يلعن من ظلمه، لكنه قال: “لن أجعل اللص يسرق مالي وراحة قلبي معًا.” بدأ من جديد، واجتهد، وعوضه الله خيرًا مما فقد، بينما بقي المحتال مطاردًا بين المحاكم والقلق والخوف. وهكذا يبقى القلب السليم أغنى من الحسابات البنكية، لأن ما عند الله خير وأبقى، ولأن الكريم سبحانه إذا رأى عبدًا عفا ابتغاء مرضاته، فتح له أبوابًا من الطمأنينة لا تفتحها الأموال.
وما أتعس أولئك الذين يجلسون في المجالس وكأنهم موظفو أرشيف للخصومات! يتذكر أحدهم كلمة قيلت له قبل عشرين عامًا بدقة مذهلة، لكنه ينسى مئات المواقف الجميلة. يحفظ الإساءة كما يحفظ اسمه، وينسى الإحسان كأنه لم يكن. ولو استثمر هذه الذاكرة في حفظ القرآن أو العلم لبلغ شأنًا عظيمًا، لكنه اختار أن يكون أمينًا لمخزن الأوجاع!
إن القلب ليس مستودعًا للنفايات النفسية، وإنما موضع نظر الله، وكلما امتلأ بمحبة الله وتعظيمه وتنزيهه وتوحيده، ضاقت فيه مساحة الكراهية. ومن عرف أن الله هو الحكم العدل، وأنه سبحانه يجزي بالإحسان إحسانًا، ويحاسب الظالم بعدله، هان عليه أن يترك بعض حقوقه لله، لأن خزائن الله لا تنفد، ووعده لا يخلف.
وكان ابن القيم رحمه الله يقول: “ما ضُرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب.” والقلب القاسي لا يوجعه الناس بقدر ما يوجعه نفسه، فهو يحمل أثقالًا لا يراها أحد، ويبتسم أحيانًا، لكن صدره مزدحم بالمعارك التي لم تنته.
سلامة الصدر ليست أن تنسى كل شيء، فالذاكرة نعمة، ولكنها أن تتذكر دون أن تحترق، وأن تعفو دون أن تهين نفسك، وأن تترك الحكم لله، فهو سبحانه أرحم بعباده، وأعلم بضعفهم، وأحكم في قضائه، وأعدل في جزائه، لا يُسأل عما يفعل لكمال حكمته، وهو على كل شيء قدير.
وفي نهاية المطاف، لن يسألك الناس كم مرة انتصرت في جدال، ولا كم خصمًا أسكتَّ، بل سيبقى أثرك الحقيقي في القلوب التي خرجت من عندك وهي مطمئنة، وفي النفوس التي سامحتها، وفي الدعوات التي رفعتها إلى الله لمن أساء إليك قبل من أحسن إليك.
سلامة الصدر ليست رفاهية أخلاقية، بل عبادة خفية، لا يراها الناس، ويعلمها الله، ويبارك بها العمر، ويشرح بها الصدر، ويزين بها الوجه، ويورث بها محبة الخلق، وقبل ذلك كله محبة الخالق سبحانه، فمن أصلح سريرته لله، أصلح الله علانيته، ومن امتلأ قلبه بتوحيد الله وتعظيمه، لم يجد الحقد فيه موضعًا يستقر.
فطوبى لمن لقي الله بقلبٍ سليم، فقد ربح الدنيا براحةٍ لا تُشترى، وربح الآخرة بوعدٍ لا يخلفه الله، ﴿يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩].
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



