ثلاث كلمات… أنقذت البشر..!!

راضي غربي العنزي – كاتب سعودي

«حين تُثقِلُ الحياةُ القلبَ، يفتحُ اللهُ لعبده بابًا من رحمته، فيكتشف أن أعظم الانتصارات ليست على الناس، بل على النفس، وأن الطريق إلى الله هو الطريق الوحيد الذي يعود منه الإنسان أكثر حياةً، وأكثر رحمةً، وأكثر سلامًا.»
هناك لحظات يكتشف فيها الإنسان أن أكثر ما أتعبه في حياته لم يكن الفقر، ولا المرض، ولا ضيق الرزق، وإنما الناس حين ينسون أخلاقهم، وهو نفسه حين ينسى هدي ربه. فمنذ أن عرف الإنسان الخصومة وهو يبحث عن طريقة ينتصر بها، حتى جاء القرآن ليقلب الموازين، ويخبره أن أعظم الانتصارات ليست في كسر الخصم، بل في تهذيب النفس، وأن أشد المعارك ليست تلك التي تدور في الساحات، وإنما تلك التي تدور في القلب.
ولذلك اختصر الله سبحانه وتعالى الطريق كله في ثلاث كلمات، لو جعلها الناس منهجًا لانطفأت حرائق كثيرة قبل أن تشتعل.
قال الله جل جلاله:
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
ما أعظم الله، وما أكمل حكمته، وما أوسع رحمته بعباده. فهو سبحانه الواحد الأحد، الكامل في أسمائه وصفاته، لا يأمر إلا بما يرفع الإنسان، ولا ينهى إلا عما يهدم قلبه وحياته. وكلما اقترب العبد من كتاب ربه ازداد بصيرة، لأن الله هو الهادي، وهو اللطيف، وهو الحكيم الذي جعل في كل آية حياةً لمن أراد الحياة.
بدأت الآية بالعفو، لأن الله يعلم أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وهو يحمل في صدره سجلًا طويلًا من الإساءات. فالعفو ليس تنازلًا عن الكرامة، بل ارتقاء بها. وبعض الناس – ويا للمفارقة – يحفظ الإساءة أكثر مما يحفظ الإحسان، فإذا لقي من أساء إليه استدعى أرشيفًا كاملًا من الخصومات، وكأنه يعمل أمينًا لمتحف الأوجاع! ثم يتساءل بعد ذلك: لماذا لا أذوق طعم الراحة؟
لأن القلب الذي يسكنه الحقد لا يتسع للطمأنينة.
ثم قال سبحانه: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، وكأن الرسالة ليست أن تكون صالحًا لنفسك فقط، بل أن تكون نافذة خير لكل من حولك. فالمعروف لا يُقاس بحجمه، وإنما بأثره. كلمة رقيقة قد تعيد إنسانًا إلى الأمل، وابتسامة صادقة قد تُطفئ حزنًا لا يعلمه إلا الله.
وقد قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَه، ولا يُنزعُ من شيءٍ إلا شانَه».
لكن الحياة أثبتت أن : الأخلاق هي الترجمان الحقيقي للإنسان، وهي اللغة التي لا تحتاج إلى ترجمة.
ثم تأتي الوصية الثالثة، وهي أشبه بدرع يحمي القلب من استنزاف العمر: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
ليس كل من رفع صوته يستحق أن تُجيبه، وليست كل معركة تستحق أن تدخلها. فالجاهل لا يغضبه صمتك بقدر ما يغضبه أنك لم تمنحه قيمة الخصومة التي يبحث عنها.
ويُروى أن الأحنف بن قيس، سيد الحلم، لحقه رجل يسبه ويشتمه، فلم يلتفت إليه. فلما اقتربا من الحي قال له: “إن كان بقي عندك شيء فقلْه الآن، قبل أن يدخل قومي، فيؤذوك من أجلي.” فانقلب الغضب خجلًا، وانكسر السفه أمام الحلم.
هكذا يصنع الإيمان حين يستقر في القلب. إنه لا يصنع إنسانًا ضعيفًا، بل يصنع إنسانًا لا تتحكم فيه استفزازات الآخرين.
وفي زماننا نرى الصورة ذاتها. موظف يبتسم في وجه من أساء إليه، فيربح احترام الجميع. وأب يكظم غيظه أمام خطأ ابنه، فيحفظ قلب ابنه قبل أن يحفظ هيبة الأبوة. وزوجة تختار الكلمة الهادئة بدل الانفعال، فتنجو أسرتها من خلاف كان يمكن أن يمتد سنوات. إنها انتصارات لا تتصدر العناوين، لكنها هي التي تحفظ البيوت والمجتمعات.
قال الله تعالى:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].
إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج، بل إلى مزيد من القلوب التي تعرف الله، فتترجم معرفتها رحمةً وعفوًا وإصلاحًا. فكل مشروعٍ يبدأ بإصلاح الإنسان، وكل إصلاحٍ يبدأ بإصلاح القلب، ولا مصلح للقلوب إلا الله.
لهذا لم تكن هذه الآية ثلاث وصايا متفرقة، بل ثلاث درجات يصعد بها الإنسان إلى قمم الأخلاق؛ يعفو فيسمو، ويأمر بالخير فيُثمر، ويعرض عن الجاهلين فيسلم. ومن جمعها فقد ربح نفسه قبل أن يربح الناس.
وهكذا يبقى القرآن أعظم رسالة أخلاقية عرفتها البشرية، ويبقى نور الله هو الدليل الذي لا يخبو، لأن من جعل رضى الله غايته، هانت عليه إساءات الخلق، واتسع صدره بالعفو، ولسانه بالمعروف، وقلبه بالسكينة. وتلك، والله، هي النجاة التي أنقذت البشر بالأمس، وما زالت قادرة على إنقاذهم اليوم وغدًا.

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

bismallah34@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top