من الجوف إلى جازان.. هل حان وقت الاكتفاء الذاتي الزراعي في السعودية؟

_*رؤية حكيمة صنعت من الشمال حقول زيتون.. ومن الجنوب مملكة للمانجو والبن*_

سأل أبو السعود ابنه وهما يتجولان في أحد المعارض الزراعية.
هل تتذكر عندما كان الحديث عن الزراعة في المملكة مرتبطًا فقط بتحديات المناخ وشح المياه؟
ابتسم سعود قائلاً: “اليوم أصبح الحديث مختلفًا، فالشمال ينتج الزيتون بجودة عالمية، والجنوب يتألق بالمانجو والبن، والمزارع الحديثة تنتشر في مختلف المناطق.”
رد أبو السعود بثقة: “هذه ليست مصادفة، بل نتيجة رؤية حكيمة استشرفت المستقبل، وجعلت من الزراعة أحد أعمدة الأمن الغذائي والتنمية المستدامة في المملكة.”
هذا الحوار يلخص قصة التحول الزراعي السعودي خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقلت المملكة من مرحلة التركيز على توفير الاحتياجات الأساسية إلى بناء منظومة زراعية متكاملة تسعى لرفع نسب الاكتفاء الذاتي وتعزيز الأمن الغذائي وفق مستهدفات رؤية المملكة 2030.

_*رحلة التحول الزراعي*_
أدركت المملكة مبكرًا أن الأمن الغذائي جزء أساسي من الأمن الوطني، ولذلك تبنت سياسات متوازنة تجمع بين زيادة الإنتاج الزراعي والحفاظ على الموارد الطبيعية، مع التوسع في التقنيات الحديثة والزراعة الذكية واستخدام المياه بكفاءة أعلى.
ونتيجة لذلك، أصبحت العديد من المناطق الزراعية المتخصصة نماذج نجاح لافتة، مستفيدة من تنوع التضاريس والمناخ بين شمال المملكة وجنوبها ووسطها وغربها.

_*الشمال.. عاصمة الزيتون السعودية*_
في منطقة الجوف وشمال المملكة، تشكلت واحدة من أبرز قصص النجاح الزراعي. فالجوف اليوم أصبحت مرادفًا لزيت الزيتون السعودي، حيث تضم ملايين أشجار الزيتون التي تنتج كميات كبيرة من الزيت والزيتون عالي الجودة.
ولم يعد الزيتون المنتج الزراعي الوحيد في المنطقة، بل توسعت الزراعات لتشمل القمح والفواكه والخضراوات، مستفيدة من التقنيات الزراعية الحديثة والبنية التحتية المتطورة التي دعمتها الدولة.
هذا التخصص الزراعي النوعي أسهم في تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات في عدد من المنتجات الغذائية المهمة.

_*الجنوب.. جازان قصة نجاح متجددة*_
وفي أقصى الجنوب، تقدم منطقة جازان نموذجًا تنمويًا متكاملًا يجسد مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنويع الاقتصاد وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية.
تنتج جازان أكثر من 65 ألف طن من المانجو سنويًا، تمثل نحو 60% من إجمالي إنتاج المملكة، من خلال أكثر من 1.2 مليون شجرة مانجو موزعة على ما يقارب 19 ألف مزرعة، يشرف عليها أكثر من 20 ألف مزارع.
ولم يعد إنتاج المانجو مقتصرًا على الزراعة التقليدية، بل تطور إلى منظومة اقتصادية متكاملة تشمل التصنيع الغذائي والتعبئة والتغليف والتسويق، مما رفع القيمة المضافة للمنتج المحلي وعزز كفاءة سلاسل الإمداد.
كما رسخت جازان مكانتها كموطن رئيسي للبن السعودي، إذ تحتضن أكثر من 966 ألف شجرة بن مثمرة، بإنتاج يتجاوز 642 طنًا سنويًا، يمثل حوالي 74% من الإنتاج المحلي للمملكة. وأصبح البن السعودي اليوم أحد المنتجات الواعدة التي تحمل قيمة اقتصادية وثقافية كبيرة.

_*الاكتفاء الذاتي.. هل أصبح قريبًا؟*_
الإجابة الواقعية هي أن المملكة حققت بالفعل مستويات مرتفعة من الاكتفاء الذاتي في عدد من المنتجات الزراعية والغذائية، خاصة في قطاعات مثل التمور، والألبان، والدواجن، والعديد من الخضراوات والفواكه الموسمية.
لكن الوصول إلى اكتفاء ذاتي شامل في جميع المنتجات الزراعية يظل تحديًا مرتبطًا بعوامل طبيعية ومناخية وموارد مائية، وهو ما يجعل الاستراتيجية السعودية تعتمد على مفهوم أكثر شمولًا وهو الأمن الغذائي المستدام، وليس الاكتفاء الذاتي المطلق.
فالمملكة تعمل على مزيج متوازن يجمع بين:
• دعم الإنتاج المحلي.
• التوسع في التقنيات الزراعية الحديثة.
• رفع كفاءة استخدام المياه.
• الاستثمار الزراعي داخل المملكة وخارجها.
• بناء سلاسل إمداد قوية ومستدامة.

_*رؤية 2030 تصنع المستقبل*_
ما نشهده اليوم من حقول الزيتون في الشمال، ومزارع المانجو والبن في الجنوب، ومشروعات البيوت المحمية والزراعة الذكية في مختلف المناطق، يؤكد أن المملكة تسير بخطوات واثقة نحو تعزيز أمنها الغذائي.
لقد حولت رؤية المملكة 2030 الزراعة من نشاط اقتصادي تقليدي إلى قطاع تنموي متقدم يعتمد على التقنية والاستدامة والتخصص للمنطقة، مستفيدًا من المزايا النسبية لكل منطقة.
ومن الجوف حيث تمتد أشجار الزيتون على مد البصر، إلى جازان التي أصبحت عاصمة المانجو والبن السعودي، تتشكل ملامح مستقبل زراعي واعد، يجعل من سؤال “هل تصل المملكة إلى الاكتفاء الذاتي؟” سؤالًا مشروعًا، والإجابة الأقرب إليه أن المملكة لا تسعى فقط للاكتفاء الذاتي، بل تعمل على بناء منظومة أمن غذائي مستدام قادرة على تلبية احتياجات الحاضر وضمان متطلبات المستقبل.

_*م. ياسين حمدي*_

خبير وقاضٍ دولي في زيت الزيتون
عضو الجمعية العلمية للصناعات الغذائية – جامعة الإسكندرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top