أرجى آية… إعلان رباني خالد،…!!

 راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي

ليس أشدَّ من الذنب إلا أن تظنَّ أن رحمة الله لا تكفيه، فالله أرحم بعباده من أوهامهم، وأوسع فضلًا من حدود ظنونهم.
﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾.
ما أعجب الإنسان… يثق بأن هاتفه سيُشحن بعد أن تفرغ بطاريته، ويؤمن أن الأرض اليابسة ستخضر بعد المطر، ويوقن أن الليل مهما طال سيُسلِّمه إلى الفجر، ثم إذا تعلق الأمر بنفسه، ظن أن باب الله قد أُغلق في وجهه! كأن اليأس أصبح عند بعض الناس أبلغ من الرجاء، مع أن الله وحده هو الرحمن الرحيم، الملك القدوس، العزيز الحكيم، واسع المغفرة، عظيم الإحسان، لا يعجزه شيء، ولا ينقص خزائنه عطاء، ولا يثقل على فضله مذنب عاد إليه تائبًا، ولا عبد أقبل عليه منكسرًا.
هذه الآية ليست مجرد كلمات تُقرأ، بل هي إعلان رباني خالد، ينسف ثقافة اليأس من جذورها. إنها رسالة من الله إلى كل من أثقلته الخطايا، وإلى كل من مزقته الندامة، وإلى كل من ظن أن العودة قد تأخرت. لم يقل سبحانه: يا عبادي الذين أخطأوا، بل قال: ﴿ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ﴾، وكأن الله جل جلاله يعلم أن هناك من تجاوز الحدود، ثم مع ذلك يناديهم: يا عبادي. أي رحمة هذه؟! وأي لطف هذا؟! وأي كرم يليق إلا بالله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لا إله إلا هو، ولا رب سواه؟
ولذلك قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “إنها أرجى آية في كتاب الله”. وكيف لا تكون كذلك، وهي تبدأ بنداء العبودية، وتنتهي بوصف الله بالغفور الرحيم، وبينهما وعد يليق بعظمة الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. لم يترك سبحانه بابًا للشيطان ليدخل منه إلى قلب التائب، بل أغلق كل منافذ القنوط بكلمة واحدة: جميعًا.
وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ وَجَدَ ضَالَّتَهُ بِالْفَلَاةِ». وليس في الحديث تشبيه لذات الله سبحانه، وإنما بيان لعظيم محبته لتوبة عبده على الوجه اللائق بجلاله، كما أخبر عن نفسه، من غير تمثيل ولا تكييف، فهو سبحانه كما وصف نفسه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
ويحكي التاريخ الإسلامي قصة قاتل المائة نفس، الذي حمل على ظهره جبالًا من الذنوب، حتى ظن الناس أن الأرض نفسها قد ضاقت به، لكنه لم يظن ذلك بالله. بحث عن طريق العودة، وسأل، وسار، ومات في الطريق قبل أن يصل، فغفر الله له لأنه صدق في الرجوع إليه. لم تكن المسافة هي التي أوصلته، وإنما أوصله قلبٌ تحرك نحو الله. وهكذا يكون الفرق بين من يمشي إلى الله ولو متعثرًا، ومن يقف مكانه ينتظر أن يأتيه اليقين دون خطوة.
وفي زماننا هذا، نقرأ بين حين وآخر عن أناس كانوا غارقين في الإدمان، أو الجريمة، أو الضياع، ثم فتح الله عليهم باب التوبة، فإذا بهم يتحولون إلى دعاة خير، أو حفظة لكتاب الله، أو أصحاب أيادٍ بيضاء في المجتمع. لم تتغير قدرة الله، وإنما تغيرت قلوبهم حين صدقت مع الله، والله هو الهادي، وهو التواب، وهو الكريم، وهو البر، وهو اللطيف، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
ويقول الفيلسوف الروماني سينيكا: “طالما أنك حي، فهناك متسع لتبدأ من جديد.” لكن الفرق العظيم أن المؤمن لا يبدأ بنفسه، بل يبدأ بالله، لأن البداية الحقيقية ليست قوة الإرادة وحدها، وإنما التوفيق من الله. ويقول كونفوشيوس: “المجد ليس في ألا تسقط، بل في أن تنهض كلما سقطت.” أما المسلم فيزيد على ذلك: ينهض مستعينًا بالله، متبرئًا من حوله وقوته، عالمًا أن الفضل كله لله، وأن الهداية من الله، وأن الثبات من الله، وأن حسن الخاتمة فضل من الله وحده.
ومن السخرية المؤلمة أن بعض الناس يعفو عن صديقه إذا أخطأ مرة، ويغفر لابنه عشرات الزلات، ثم يقنع نفسه أن الله لن يغفر له! أي منطق هذا؟ بل أي ظلم للنفس أعظم من أن يضيق الإنسان ما وسعه الله؟ إن الشيطان لا يهمه كم أذنبت، بقدر ما يهمه أن تبقى بعيدًا عن التوبة، أما الله سبحانه فلا يزال يدعو عباده إلى رحمته، ويفتح لهم أبواب فضله، ويحب منهم الإنابة والرجوع، لأنه سبحانه هو الغني عن العباد، وهم الفقراء إليه.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾. فالعبد لا يعبد الله خوفًا مجردًا، ولا رجاءً مجردًا، وإنما يعبده حبًا له، وتعظيمًا له، وخوفًا منه، ورجاءً فيما عنده، لأنه سبحانه أهل لأن يُعبد، وأهل لأن يُحمد، وأهل لأن يُشكر، وأهل لأن يُرجى، وأهل لأن يُتوكل عليه، فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم.
ليست البطولة أن تخفي دمعتك، ولا أن تتظاهر بالقوة، ولا أن تقنع الناس أنك بخير، وإنما البطولة الحقيقية أن تقف بين يدي الله منكسرًا، معترفًا، راجيًا، مؤمنًا أن رحمته أعظم من ذنبك، وأن عفوه أكبر من خطيئتك، وأن فضله لا تحده حسابات البشر.
إذا قرأت هذه الآية مرة أخرى، فلا تقرأها بعينيك فقط، بل اقرأها بقلبك. اجعلها عهدًا جديدًا بينك وبين الله. أغلق باب اليأس إلى الأبد، وافتح باب الرجاء، فإن الذي دعاك بقوله: ﴿يَـٰعِبَادِىَ﴾ لم يدعك ليؤنبك، وإنما دعاك ليكرمك، ويطهرك، ويرفعك، ويغفر لك، ويبدل خوفك أمنًا، وحيرتك طمأنينة، وانكسارك قوةً به سبحانه وحده.
فلا تيأس… لأنك تتعامل مع الله، والله أجلُّ وأعظم وأكرم وأرحم من كل ما يخطر في قلب بشر، وهو سبحانه وحده الغفور الرحيم، لا إله إلا هو، عليه توكلنا وإليه المصير.

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top