وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ….!!

 راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي

“ما دام بابُ الله مفتوحًا… فلا تيأس من الطريق، فالله أرحم بعباده من خوفهم، وألطف بهم من ظنونهم، وأقرب إليهم برحمته كلما عادوا إليه.”
حين يضيق صدر الإنسان، يظن أن الحل في تبديل المكان، أو تبديل الناس، أو تبديل الظروف، بينما الحقيقة المدهشة أن أعظم التحولات تبدأ أحيانًا بكلمة واحدة لا يسمعها إلا الله… “أستغفر الله”.
ولذلك جاءت الآية العظيمة تحمل سرًا من أسرار النجاة، فقال الله جل جلاله في محكم تنزيله:
﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].
يا لها من آية تهز القلب قبل أن تهز الفكر. إنها ليست مجرد خبر، بل إعلان رباني بأن للاستغفار منزلة عظيمة، وأن العبد حين يطرق باب ربه تائبًا، فإنه يلوذ بأكرم كريم، وأرحم رحيم، ومالك الملك، سبحانه وتعالى، المنزه عن كل نقص، المتفرد بالكمال والجلال، الذي وسعت رحمته كل شيء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو الغني الحميد.
والناس اليوم يعيشون مفارقة عجيبة؛ يضعون آلاف كلمات المرور لحماية هواتفهم، ثم يتركون قلوبهم بلا كلمة المرور التي تحفظها من الانكسار. يبحثون عن برامج مكافحة الفيروسات، وينسون أن الاستغفار يمحو فيروسات الأرواح قبل أن تستفحل. يتابعون نشرات الاقتصاد ساعة بساعة، لكنهم يغفلون عن الرصيد الذي لا يفلس أبدًا عند الله.
ولأن السخرية أحيانًا تكشف الحقيقة أكثر من الجدية، فقد أصبح بعض الناس إذا تعطلت شبكة الإنترنت أعلن حالة الطوارئ، وإذا تعطلت صلته بالله أكمل يومه وكأن شيئًا لم يكن! يهرع إلى مركز الصيانة إذا تعطلت سيارته، لكنه يؤجل إصلاح قلبه سنوات طويلة، مع أن القلب إذا صلح صلحت الحياة كلها، وإذا فسد لم تنفعه أحدث المركبات ولا أفخم المنازل.
ولقد فهم السلف هذا السر مبكرًا. يُروى أن رجلًا جاء إلى الإمام الحسن البصري يشكو الجدب، فقال: استغفر الله. وجاءه آخر يشكو الفقر، فقال: استغفر الله. وآخر يشكو قلة الولد، فقال: استغفر الله. فقيل له: أوكلما جاءك رجل قلت له استغفر الله؟ فقال: ما قلت من عندي، ثم تلا قول الله تعالى: ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍۢ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّٰتٍۢ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَٰرًا﴾ [نوح: ١٠-١٢].
إنها ليست معادلة مادية، بل وعد من الله الحق، والله سبحانه لا يخلف وعده، وهو العزيز الحكيم، واسع الفضل، عظيم الإحسان، بيده الخير كله، وإليه المرجع والمآب.
وفي زماننا يروي أحد رجال الأعمال أنه مر بسنوات من الخسائر المتتابعة حتى أوشك أن يغلق شركته، فنصحه والده بألا يترك الاستغفار مهما اشتدت الأسباب. لم يكن الاستغفار بديلًا عن العمل، بل كان وقودًا للصبر، ونورًا للبصيرة، وسببًا في الثبات. أعاد ترتيب أموره، واجتهد، وأكثر من الاستغفار، فما هي إلا فترة حتى تبدلت أحواله، وكان يقول بعد ذلك: “لم أكن أعد الاستغفار كلمات، بل كنت أعده نجاة.” وهكذا يجري الله لطفه على عباده بما يشاء وكيف يشاء، فهو سبحانه اللطيف الخبير.
ولذلك قال رسول الله ﷺ: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ». رواه أبو داود.
وكان الفيلسوف الروماني سينيكا يقول: “من اعترف بخطئه بدأ طريق الحكمة.” أما كونفوشيوس فقال: “المجد ليس في ألا تسقط، بل في أن تنهض كلما سقطت.” وحين تُقرأ هذه الكلمات في ضوء الإيمان، يدرك المؤمن أن أكمل النهوض هو الرجوع إلى الله، وأن أعظم الاعتراف هو الاستغفار، لأن المؤمن لا يطلب الصفح من البشر أولًا، وإنما يبدأ بخالقه الذي يعلم السر وأخفى، سبحانه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
وكم من بيت أعاده الاستغفار إلى السكينة، وكم من قلب أعاده إلى الحياة، وكم من أبٍ ظن أن أبناءه ضاعوا، فإذا بالله يصلحهم، وكم من أمٍ رفعت كفيها في جوف الليل تستغفر ربها، فإذا بأيامها تتبدل من ضيق إلى سعة، ومن كدر إلى طمأنينة. ليس لأن الكلمات تصنع المعجزات بذاتها، ولكن لأن الله سبحانه هو الفعال لما يريد، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، وهو أرحم الراحمين.
ولهذا لا تخف من كثرة ذنوبك، بل اخف من قلة استغفارك. ولا تقل: أخطائي أكبر، فالله أكبر، ولا تقل: أبوابي أغلقت، فباب الله لا يغلق حتى تبلغ الروح الحلقوم. ومن عرف ربه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ازداد يقينًا بأن رحمته تسبق غضبه، وأن فضله أعظم من عمل العباد، وأنه سبحانه يحب التوابين ويحب المتطهرين.
وأخيرًا… ليست البطولة أن تعيش بلا خطأ، فذلك ليس شأن البشر، ولكن البطولة أن يكون لك طريق دائم إلى الله، وأن تجعل الاستغفار رفيق أنفاسك، لأنك تتعامل مع رب كريم، عظيم، حليم، غفور، ودود، لا تنقص خزائنه كثرة العطاء، ولا يعجزه إصلاح قلب واحد أو أمة كاملة، إذا صدقت القلوب في العودة إليه.
فإذا ثقلت عليك الحياة، فلا تبدأ بالشكوى، وابدأ بالاستغفار. وإذا أغلقت الدنيا أبوابها، فلا تبحث أولًا عن نافذة في الأرض، بل ابحث عن باب الله، فإنه سبحانه إذا فتح لعبده باب رحمته، أغناه عن كل باب، وإذا حفظه فلا غالب له، وإذا تولاه فلا خاذل له، وهو نعم المولى ونعم النصير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top