قد تخسر المنتخبات مباراة، وقد تغادر بطولة، لكن هناك انتصارات لا تُقاس بنتيجة على لوحة الملعب، وإنما تُقاس بما تتركه في قلوب الناس؛ وهذا تماماً ما حققه المنتخب المصري في مباراته الأخيرة أمام المنتخب الأرجنتيني.
كنت أتابع اللقاء من منزلي في أحد الأحياء ذات الكثافة السكانية السعودية جنوب مدينة الرياض، لكن ما كنت أسمعه خارج المنزل جعلني أشعر وكأنني أشاهد المباراة من قلب القاهرة؛ فمع كل هجمة مصرية، وكل هدف احتُسب أو أُلغي، وكل تصدٍّ رائع من الحارس، كانت أصوات الفرح والتشجيع تتعالى من المنازل والاستراحات والمقاهي، في مشهد يعكس حجم المحبة التي يكنها السعوديون لأشقائهم المصريين.
ولم يكن ذلك مشهداً عابراً أو استثناءً فرضته أجواء البطولة، بل هو امتداد لعلاقة تاريخية راسخة بين الشعبين الشقيقين؛ ففي المجالس السعودية، وفي أحاديث الأصدقاء، وحتى في مواقع التواصل الاجتماعي، كان المنتخب المصري حاضراً بوصفه ممثلاً للعرب قبل أن يكون ممثلاً لمصر، وكانت الدعوات الصادقة تسبق صافرة البداية بأن يكتب الله له الفوز والتأهل.
ومن الجميل أن هذا الشعور لم يكن سعودياً فحسب، بل امتد إلى معظم الشعوب العربية التي تابعت البطولة؛ فمصر بما تمثله من ثقل تاريخي وثقافي وإنساني، وبما يحمله شعبها من بساطة وعفوية وطيبة، تحظى بمكانة خاصة في قلوب العرب، ولذلك كان التعاطف مع المنتخب المصري طبيعياً وصادقاً، لأن المصريين شعب أحب الناس فأحبوه، واحترم الآخرين فبادلهم الآخرون الاحترام والمحبة.
أما على المستوى الفني، فإن لاعبي المنتخب المصري لم يقصروا، وقدموا مباراة اتسمت بالروح القتالية والانضباط والإصرار حتى اللحظات الأخيرة؛ والخروج جاء أمام منتخب الأرجنتين، أحد أعظم منتخبات العالم وصاحب التاريخ الكبير والبطولات المتعددة، ولذلك فإن الخسارة لا تنتقص من قيمة الأداء ولا من الجهد الذي بذله اللاعبون داخل المستطيل الأخضر.
ولعل أجمل ما سمعته بعد المباراة كان من أحد الزملاء الذي تابعها في أحد المقاهي شمال الرياض، إذ قال: “لولا أنني أعرف أنني في الرياض، لظننت أنني في أحد مقاهي القاهرة؛ فالجميع يرتدي قمصان المنتخب المصري، والجميع يشجع مصر بحماس كبير ” ؛وهي شهادة تختصر الكثير، وتؤكد أن الروابط بين الشعبين أكبر من مباراة، وأعمق من بطولة.
إن كرة القدم تظل لعبة تُفرح قوماُ وتحزن آخرين، لكن ما يبقى بعد صافرة النهاية هو المحبة الصادقة بين الشعوب؛ وهذه البطولة قدمت رسالة جميلة مفادها أن المنتخب المصري، حتى وهو يغادر المنافسات، خرج محاطاً بدعوات الملايين ومحبتهم، وأن مصر ربحت ما هو أثمن من نتيجة مباراة؛ فقد ربحت تأكيداً جديداً على مكانتها الكبيرة في قلوب أشقائها.
فهنيئاً لمصر… وهنيئاً لشعبها بهذا الرصيد الكبير من المحبة، وهنيئاً للعرب بهذه الروح التي تجعل انتصار أي منتخب عربي فرحة للجميع، وخسارته حزناً يتقاسمه الجميع، لأن ما يجمعنا أكبر من كرة القدم، وأبقى من نتائج المباريات.
مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3



