…..قَالُوا سَلَامًا﴾

راضي غربي العنزي -كاتب رأي سعودي

«إذا أحبَّ الله عبدًا ساقه إلى السلام قبل أن يسوقه إلى الانتصار، لأن القلوب التي يحفظها الله لا تُهزم، وإن خسرت ضجيج العالم كله.»

هناك لحظة لا يسمعها أحد، ولا تُبث في نشرات الأخبار، ولا تُكتب في سجلات المنتصرين، لكنها اللحظة التي يتغير فيها عمر الإنسان كله. لحظة يضع فيها يده على قلبه، وينظر إلى ما تبقى من نفسه، ثم يقول بهدوء يشبه هيبة المؤمن: كفى…
كفى مطاردةً لمن لا يعرف قيمة الود، وكفى استنزافًا للعمر في إقناع من اتخذ من الجحود وطنًا، وكفى سباقًا مع أشخاص يقيسون الإنسان بما يملك لا بما يحمل في قلبه من مروءة ورحمة.
عجيبٌ هذا العصر… صار بعض الناس يبدلون وجوههم كما يبدلون هواتفهم، ويغيرون مبادئهم كلما تغيّر اتجاه المصلحة، حتى أصبح الصدق يحتاج إلى تعريف، وأصبحت البساطة تُتهم بالسذاجة، وصار الإنسان الشريف يبدو غريبًا وسط سوقٍ يبيع كل شيء إلا الضمير.
ومع ذلك، يبقى المؤمن مختلفًا؛ لأنه يعلم أن الله سبحانه هو الحق، وأن كل ما سواه زائل، وأن رضاه جل جلاله هو الغاية التي تهون دونها خسائر الدنيا كلها. فلا يتعلق قلبه إلا بالله، ولا ينتظر الجزاء إلا منه، ولا يطلب العوض إلا من خزائن كرمه التي لا تنفد. فهو سبحانه الواحد الأحد، الكريم الوهاب، اللطيف الخبير، الذي يعلم خفايا القلوب، ويجزي على النيات قبل الأعمال، ويحفظ عباده بما لا يدركونه.
قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.
ليست هذه الآية دعوة إلى الضعف، بل إعلانٌ أن القوة الحقيقية هي أن تمتلك نفسك عندما يفقد الآخرون أنفسهم، وأن يكون سلامك أغلى من معركة لا تزيدك إلا تعبًا.
وقال رسول الله ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.»
ولذلك فإن الانسحاب من العلاقات السامة ليس هروبًا، بل شجاعة. والابتعاد عن الزيف ليس خسارة، بل نجاة. والصمت أمام السفه ليس عجزًا، بل سيادة على النفس.
ويُروى أن الإمام عبد الله بن المبارك خرج يومًا مجاهدًا في سبيل الله، فمرّ بامرأة تجمع حباتًا سقطت في مزبلة، فسألها، فقالت: إنها مضطرة لإطعام أطفالها. فعاد بمال رحلته كله، وأعطاه لها، وقال: “هذا أفضل عند الله من حج نافلة.” لقد انتصر على هوى النفس، واختار ما يحبه الله على ما تحبه النفس، فصار ذكره خالدًا. وهكذا تكون الانتصارات التي يباركها الله: رحمة، وإحسانًا، وإيثارًا، لا ضجيجًا واستعراضًا.
وقال ماركوس أوريليوس: “أفضل انتقام هو ألا تصبح مثل من أساء إليك.” ويزداد هذا المعنى إشراقًا في نور الإسلام؛ فالمؤمن لا يترك الإساءة عجزًا، وإنما يتركها ابتغاء وجه الله، ورجاء ما عنده، وثقةً بأن العدل الكامل عند الله، لا عند البشر.
وفي أيامنا هذه، ترك شاب وظيفةً كان راتبها مرتفعًا، لكنها كانت تستنزف كرامته كل صباح. سخر منه الناس، وقالوا: ضيّع مستقبله بيده. وبعد عامين، أسس مشروعًا صغيرًا، وربح من راحة قلبه أكثر مما ربح من المال. قال يومًا: “لم أنجح عندما كسبت المال، بل نجحت عندما توقفت عن بيع نفسي.” وهذه هي الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون؛ فليس كل ربح مكسبًا، وليس كل خسارة هزيمة.
إن السخرية الموجعة أن بعض الناس يستهلكون أعمارهم في محاولة الدخول إلى أماكن لم يكتبها الله لهم، بينما كانت أبواب الخير تنتظرهم في الاتجاه الآخر. يطرقون الأبواب المغلقة حتى تنزف أيديهم، ولو التفتوا قليلًا لوجدوا أن الله فتح لهم أبوابًا أوسع، لكن أعينهم كانت منشغلة بما فقدوا، لا بما وهبهم الله.
ولهذا، فإن أجمل الانتصارات ليست أن تُسكت خصمك، بل أن تُسكت قلقك. وليست أن تكسب الجميع، بل أن تكسب نفسك. وليست أن يصفق الناس لك، بل أن يرضى الله عنك. فكل تصفيق ينتهي، وكل شهرة تذبل، وكل وجه يتغير، أما ما كان لله فيبقى، لأن الله هو الباقي، وهو الأول والآخر، وهو الحميد المجيد، إليه المرجع، وعليه التوكل، ومنه العطاء، وبه الطمأنينة.
وحين تخرج من دائرة التزييف، لن تصبح وحيدًا كما يخيفك البعض، بل ستصبح حرًا. ستكتشف أن الله إذا أخذ من قلبك تعلقًا بخلقٍ عوضك تعلقًا به سبحانه، وإذا أغلق بابًا فتح أبوابًا من رحمته، وإذا أبعد عنك قومًا، قرّب إليك آخرين يعرفون قيمة الصدق، لأن الله لا يخذل من أحسن الظن به، ولا يضيع من احتمى بجنابه، ولا يترك قلبًا امتلأ بتوحيده إلا ملأه سكينةً ونورًا.
عندها ستبتسم، لا لأن العالم تغيّر، بل لأنك تغيّرت. وستدرك أن أعظم نصر لم يكن على أحد، وإنما كان على نفسك حين رفضت أن تكون نسخةً مشوهةً لترضي عالمًا لا يرضى. وستحمد الله كثيرًا؛ لأنه أنقذك من معارك كان ثمن الفوز فيها… خسارة نفسك.

📧 bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام
رقم التسجيل: 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top