*أحضر التسالي بسرعة… المباراة على وشك أن تبدأ* …. حوار بسيط يتكرر في كثير من المنازل السعودية قبل انطلاق مباراة جماهيرية أو عرض حلقة منتظرة من مسلسل مشوق. وما إن تبدأ الأحداث حتى تمتلئ الطاولة بالمقرمشات والمكسرات والمشروبات المختلفة، وتتحرك الأيدي نحو الطعام بشكل تلقائي.
ولا يقتصر الأمر على المنازل فقط، فحتى في دور السينما اعتاد الجمهور رؤية بائع الفشار عند المدخل أو بالقرب من صالات العرض، حتى أصبح شراء الفشار جزءًا من تجربة المشاهدة لدى كثير من الناس. وبمرور الوقت تحولت بعض الأطعمة إلى طقوس مصاحبة للترفيه، لدرجة أن البعض يشعر أن متعة المشاهدة لا تكتمل من دونها.
لكن المفاجأة أن ما نتناوله خلال هذه اللحظات لا يكون دائمًا نتيجة الشعور بالجوع، بل قد يكون استجابة للحماس أو التوتر أو الانشغال بالأحداث التي نشاهدها. والأكثر غرابة أن كثيرًا من الأشخاص لا يدركون كمية الطعام التي تناولوها إلا بعد انتهاء المباراة أو الحلقة أو الفيلم.
_*الطعام وسيلة للتعامل مع المشاعر*_
عندما يتابع الإنسان حدثًا مليئًا بالإثارة والترقب، سواء كان مباراة مهمة أو مسلسلًا يحمل الكثير من المفاجآت أو فيلمًا مشوقًا، يدخل الجسم في حالة من الانفعال والتركيز المستمر.
وخلال هذه الحالة، يبحث الدماغ عن مصادر سريعة للشعور بالمتعة والراحة، فيجد ضالته في الأطعمة الغنية بالدهون أو الملح أو السكر. لذلك لا يتجه معظم المشاهدين إلى تناول طبق من السلطة أو ثمرة فاكهة، بل يفضلون المقرمشات والتسالي والحلويات والمشروبات المحلاة.
_*من الفشار في السينما إلى التسالي أمام الشاشة*_
يرتبط الطعام بالمشاهدة منذ عقود طويلة. فكما اعتاد رواد السينما على شراء الفشار قبل دخول قاعة العرض، أصبحت جلسات مشاهدة المباريات والبرامج الترفيهية في المنازل مرتبطة لدى كثيرين بالتسالي والمشروبات المختلفة.
ومع التكرار، يتشكل ارتباط ذهني بين المشاهدة وتناول الطعام، فيتحول وجود الطعام إلى جزء من المشهد نفسه، لا بسبب الحاجة الفعلية إليه، بل لأنه أصبح عادة مرتبطة بالمتعة والترفيه.
_*عادة شائعة قد تتحول إلى سلوك يومي*_
ارتبطت متابعة المباريات والبرامج الترفيهية لدى كثير من الأسر بعادات غذائية خاصة، حتى أصبح وجود التسالي جزءًا من أجواء المشاهدة لدى البعض.
ومع تكرار هذا السلوك بصورة مستمرة، يبدأ الدماغ في ربط الجلوس أمام الشاشة بتناول الطعام، بغض النظر عن الحاجة الفعلية إليه. وعند هذه النقطة يتحول الأمر من مجرد عادة مرتبطة بالمناسبة إلى سلوك تلقائي يتكرر في كل مرة.
_*سعرات حرارية تتسلل دون ملاحظة*_
تكمن المشكلة في أن التركيز أثناء المشاهدة يكون موجّهًا نحو الشاشة أكثر من الطعام نفسه.
فقد ينهي المشاهد كيسًا كاملًا من المقرمشات أو كمية كبيرة من المكسرات والحلويات دون أن ينتبه، كما تضيف المشروبات الغازية والعصائر المحلاة كميات كبيرة من السكر والسعرات الحرارية دون أن تمنح إحساسًا طويلًا بالشبع.
ومع مرور الوقت، قد تتراكم هذه السعرات بشكل تدريجي لتنعكس على الوزن والصحة العامة، حتى وإن كان الشخص يعتقد أنه لا يتناول كميات كبيرة من الطعام خلال يومه.
_*التأثير لا يقتصر على زيادة الوزن*_
يرى مختصون في التغذية أن تناول الطعام بدافع المشاعر قد يكون أكثر خطورة من مجرد استهلاك سعرات إضافية.
فعندما يعتاد الإنسان مواجهة الحماس أو التوتر أو الملل من خلال الأكل، تتراجع قدرته على التمييز بين الجوع الحقيقي والجوع العاطفي. ومع استمرار هذا السلوك، قد تزداد احتمالات:
• الإفراط في تناول الطعام.
• زيادة الوزن والسمنة.
• ارتفاع ضغط الدم.
• زيادة خطر الإصابة بالسكري.
• ارتفاع مستويات الدهون والكوليسترول.
• ضعف التحكم في الشهية.
• الاعتماد على الطعام كوسيلة للتعامل مع الضغوط النفسية.
_*كيف تستمتع بالمشاهدة دون الإضرار بصحتك؟*_
لا يعني ذلك التخلي عن أجواء المتعة أثناء متابعة المباريات أو البرامج المفضلة، بل يمكن الاستمتاع بها بطريقة أكثر توازنًا من خلال بعض الخطوات البسيطة:
*تناول وجبة قبل المشاهدة*
الدخول في جلسة مشاهدة طويلة وأنت تشعر بالجوع يزيد من احتمالات الإفراط في تناول التسالي.
*اختيار بدائل صحية*
يمكن استبدال بعض الخيارات التقليدية بالفشار قليل الدهن أو الخضروات المقطعة أو الفواكه الطازجة أو كميات معتدلة من المكسرات غير المملحة.
*تحديد الكمية مسبقًا*
وضع كمية محددة من الطعام في طبق صغير يساعد على التحكم في الاستهلاك، بدلًا من تناول الطعام مباشرة من العبوة.
*الحرص على شرب الماء*
أحيانًا يختلط الشعور بالعطش بالجوع، لذا فإن شرب الماء بانتظام قد يقلل الرغبة في تناول الطعام دون حاجة حقيقية.
*الانتباه لإشارات الجسم*
من المفيد أن يسأل الشخص نفسه من وقت لآخر: هل أشعر بالجوع فعلًا، أم أنني آكل بسبب الحماس والانشغال بالأحداث؟
_*الخلاصة*_
سواء كان الأمر يتعلق بالفشار في صالات السينما أو بالتسالي أمام شاشة التلفزيون أثناء المباريات والمسلسلات، فإن الطعام أصبح لدى كثير من الناس جزءًا من تجربة المشاهدة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا السلوك إلى استجابة تلقائية للمشاعر والحماس بدلًا من كونه استجابة للجوع الحقيقي.
ومع تكرار هذه العادة، تتراكم السعرات الحرارية بصمت وتزداد مخاطر السمنة والأمراض المزمنة، لذلك يبقى الوعي بما نأكله أثناء المشاهدة والقدرة على التمييز بين الجوع الحقيقي والجوع العاطفي من أهم الخطوات للحفاظ على الصحة، والاستمتاع بأوقات الترفيه دون أن يكون الثمن صحة أجسامنا في المستقبل.
_*م/ ياسين حمدي*_
خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون
عضو الجمعية العلمية للصناعات الغذائية – جامعة الاسكندرية



