في كل مجتمع أشخاص يسخرون أوقاتهم وخبراتهم وعلاقاتهم لخدمة أوطانهم ومدنهم، مدفوعين بقناعة راسخة بأن العمل الصادق هو الطريق الحقيقي للتنمية؛ وفي المقابل، تظهر فئة أخرى لا تقدم مشروعاً، ولا تصنع إنجازاً، ولا تفتح باباً للأمل، لكنها تتقن الوقوف على الهامش لمراقبة الآخرين، وتنتظر أي مبادرة أو فكرة أو نجاح لتبدأ رحلة التشكيك والتقليل والإحباط.
وفي وادي الدواسر، كما هو الحال في غيرها من المحافظات، يحرص كثير من أبنائها المخلصين على خدمة محافظتهم، كلٌ من موقعه وإمكاناته، مؤمنين بأن خدمة المكان الذي نشأنا فيه شرف قبل أن تكون مسؤولية؛ لكن المؤسف أن طريق العمل العام لا يخلو من شخصيات سلبية ترى في كل فكرة مشكلة، وفي كل نجاح مبالغة، وفي كل مبادرة فرصة للنقد، وكأنها لا ترتاح إلا عندما تتعثر الجهود أو تتوقف المبادرات.
هذه الشخصيات لا تواجه أصحاب الرأي مباشرة، ولا تطرح بديلاً عملياً، بل تفضل إدارة أحاديثها في المجالس أو المجموعات المغلقة، مرددة عبارات محفوظة من قبيل: “هذا غير صحيح”، و”المفترض أن يكون كذا”، و”هم لا يعرفون”، و”هناك أمور لا تعلمونها”، دون أن تقدم دليلاً أو حلاً أو حتى استعداداً لتحمل جزء من المسؤولية.
واللافت أن تأثير هذه الفئة لا يأتي من قوة حجتها، بل من قدرتها على استقطاب من يشاركونها النظرة ذاتها، فينشأ بينهم شعور زائف بأنهم الأكثر فهماً والأقدر على التقييم، بينما الحقيقة أنهم لم يضيفوا للمجتمع مشروعاً يستحق الإشارة إليه، ولا مبادرة أحدثت فرقاً، ولا عملاً ترك أثراً باقياً.
علم النفس يصف هذه الشخصيات بأنها تعيش داخل دائرة من السلبية المزمنة؛ فهي تركز على الأخطاء أكثر من الإنجازات، وترى الجانب المظلم قبل المشرق، وتتوقع الفشل قبل النجاح، وتبالغ في تضخيم العقبات، وتستهين بكل إنجاز يحققه الآخرون؛ كما أنها تكثر من الشكوى، وتقاوم التغيير، وتنتقد بلا حلول، وتلقي المسؤولية على غيرها، وتصدر الأحكام بسرعة، حتى يصبح التشاؤم جزءاً من أسلوب حياتها.
والأخطر من ذلك أن السلبية معدية؛ فالإنسان عندما يحيط نفسه بهذا النوع من الأشخاص، قد يفقد حماسه تدريجياً، ويتردد في طرح أفكاره، وربما يتراجع عن مبادرة كان يمكن أن تحقق نفعاً للمجتمع، ليس لأنها فكرة سيئة، بل خوفاً من سهام النقد غير الموضوعي.
إن النقد البنّاء قيمة حضارية لا غنى عنها، بل هو أحد أهم أسباب التطوير، لكنه يختلف جذرياً عن النقد الهدّام؛ فالأول يبحث عن الحلول، ويحترم الجهود، ويصحح الأخطاء بأسلوب راقٍ، أما الثاني فلا يرى سوى العيوب، ولا يجيد إلا تثبيط الهمم وإضعاف الحماس، دون أن يقدم بديلاً يستحق أن يُتبع.
ومن المؤسف أن بعض هذه الشخصيات تعتقد أن التقليل من إنجازات الآخرين يمنحها مكانة اجتماعية أو حضوراً أكبر، بينما الواقع يثبت أن المجتمعات لا تتذكر من أكثر من الكلام، وإنما تحفظ أسماء من عملوا، وبادروا، وتركوا أثراً نافعاً.
إن خدمة المحافظات والمدن ليست حكراً على أحد، ولا ينبغي أن تتوقف بسبب أصوات التشاؤم؛ فكل فكرة صادقة، وكل مبادرة مخلصة، وكل جهد يخدم المجتمع يستحق الدعم والتشجيع، حتى وإن شابه بعض القصور، فالكمال ليس من صفات البشر، أما الجمود والخوف من المبادرة فهما أكبر عدو للتنمية.
ولذلك، فإن الرسالة التي ينبغي أن نؤمن بها جميعاً هي أن نفتح المجال لأصحاب المبادرات، وأن نحتفي بكل من يعمل بإخلاص، وأن نفرق بين من ينتقد ليصلح، ومن ينتقد ليحبط؛ فالأول شريك في النجاح، أما الثاني فلا يزيد قافلة البناء إلا ضجيجاً، بينما تستمر القافلة في مسيرها، لأن الأوطان لا يبنيها المتفرجون، وإنما يبنيها العاملون…. والله من وراء القصد.
مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3



