العريش الذي أعادني إلى وادي الدواسر

 

لم يكن بيني وبين مغادرة وادي الدواسر سوى ساعات قليلة؛ غادرتها متوجهاً إلى الرياض لقضاء جزء من الإجازة الصيفية، وحضور بعض المناسبات الاجتماعية، ومراجعة عدد من المستشفيات والمراكز الصحية؛ وكنت أظن أنني تركت خلفي المكان مؤقتاً، وأن الأيام كفيلة بأن تشغلني عن تفاصيله، لكنني اكتشفت أن بعض الأماكن لا تغادر أصحابها مهما ابتعدوا عنها.
لم تمض أربع وعشرون ساعة على وصولي حتى وصلتني رسالة من أحد الأحبة في وادي الدواسر، ممن جمعتنا بهم المجالس العامرة والمحبة الصادقة وأعمال الخير؛ لم تكن الرسالة كلمات، بل كانت صوراً لجلسة شعبية أقامها في مزرعته بين النخيل؛ عريش بسيط، لكنه يحمل من الجمال ما لا تستطيع أفخم المجالس أن تمنحه.
كان قد زيّن المكان بلوحة لإحدى شوارع المحافظة القديمة، ووزع في أركانه بعضاً من أدوات الأجداد المصنوعة من سعف النخيل؛ الحصير، والسِّفر، والمخارف التي كانت ترافق موسم جني الرطب، ووضع زير الماء في زاوية العريش، وكأنه يقول إن الأصالة لا تحتاج إلى كثير من التكلّف لتفرض حضورها.
وأعرف جيداً أنه تعمّد أن يرسل تلك الصور إليّ؛ لأنه يدرك عشقي لكل ما يمت بصلة إلى الماضي، وإيماني بأن في تفاصيل الأمس جمالاً لا تكرره الأيام، وأن كثيراً من الأشياء القديمة ليست مجرد مقتنيات، بل صفحات من أعمارنا.
ما إن تأملت الصور حتى وجدت نفسي أغادر الرياض دون أن أبرح مكاني؛ فقد عدت سنوات طويلة إلى الوراء، إلى أيام الصرام، حين كانت مزارع النخيل بيوتنا الموسمية، وكان العريش مجلسنا ومكان راحتنا، ننام فيه، ونجتمع حول الطعام في ظله، ونحتمي من حرارة الصيف تحت سقفه المصنوع من جريد النخل؛ فهناك تشكلت أجمل الذكريات، وهناك حفظت الذاكرة أصوات الآباء، وضحكات الصغار، ورائحة الرطب، وصوت الريح وهي تعبر بين سعف النخيل.
كنت أظن أن الزمن قد أخذ تلك الصور معه، وأنها أصبحت جزءاً من الماضي الذي لا يعود، لكن صورة واحدة كانت كفيلة بأن تفتح أبواب الذاكرة كلها، وتعيدني إلى طفولتي بكل تفاصيلها، وكأن الأعوام لم تمضِ.
حينها أدركت أن الحنين لا يحتاج إلى موعد، وأن صورة صادقة قد تفعل في القلب ما لا تفعله آلاف الكلمات؛ كما أدركت أن المكان الذي يسكن الروح لا تغلق أبوابه المسافات.
ومنذ تلك اللحظة، أصبحت أكثر شوقاً للعودة إلى وادي الدواسر، لا لزيارة مكان فحسب، بل للقاء جزء من العمر ما زال ينتظرني هناك؛ تحت ذلك العريش، وبين تلك النخيل، ومع فنجان من القهوة السعودية يكتمل مذاقه بحضور الصديق وعبق المكان.
وأكاد أجزم أنني عندما تطأ قدماي أرض ذلك العريش، لن تكون أول من يصل إليه خطواتي… بل دمعة امتنان لذاكرة جميلة، ولمكان علّمنا أن البساطة كانت، وما زالت، أجمل وجوه الحياة.
إن الأوطان لا تُقاس باتساع مدنها، بل بما تتركه في قلوب أبنائها؛ ووادي الدواسر بكل نخيله ومزارعه وعرائشه وحكاياته، لا يزال يثبت لي في كل مرة أن بعض الأمكنة لا نشتاق إليها لأنها جميلة فحسب، بل لأنها تحفظ أعمارنا بين تفاصيلها، وتعيد إلينا أنفسنا كلما أوشكنا أن نبتعد عنها.

مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top