✒️ – راضي غربي العنزي
كاتب رأي سعودي
«إذا أحبَّ الله قلبًا، سقاه من رحمته سكينةً لا تصنعها الدنيا، وحفظه بلطفه من انكسارٍ لا يراه الناس، فكلُّ أمانٍ يبدأ من التوحيد، وكلُّ سلامٍ ينتهي إلى الله.»
ثمة حروبٌ لا يسمع دويَّها أحد،
ولا تُرفع فيها الرايات، ولا تُنقل أخبارها على الشاشات، لكنها أكثر المعارك ضراوة في تاريخ الإنسان. إنها الحرب التي تدور كل صباح بين المرء ونفسه؛ بين ما يدعوه إلى السكينة، وما يجرّه إلى الفوضى، بين قلب يريد الله، ودنيا لا تكف عن الصراخ، وبين روح خُلقت لتعبد ربها، ونفس تُغريها الشهوات والمقارنات والركض خلف السراب.
ومن عجيب أمر البشر أنهم يُتقنون ترميم كل شيء إلا أنفسهم. إذا تعطلت سيارة أصلحوها، وإذا تشقق جدار أعادوا طلاءه، وإذا انكسر هاتف هرعوا إلى صيانته، أما القلب إذا أثقلته الهموم، والنفس إذا أنهكها الركض خلف رضا الناس، والروح إذا أجدبت من ذكر الله، فإن كثيرين يؤجلون إصلاحها حتى تكاد تسقط بين أيديهم.
وهنا تبدأ الحكاية…
يروى أن الحسن البصري رحمه الله رأى رجلًا تبدو عليه أمارات الضيق، فقال له كلمات بقيت تتردد عبر القرون: “داوِ قلبك، فإن حاجة الله من عباده صلاح قلوبهم.” لم يقل أصلح مالك، ولا جاهك، ولا صورتك، لأن القلب إذا استقام، استقامت الحياة كلها، وإذا فسد، أصبح الإنسان يملك الدنيا ويشعر بالفقر، ويجلس بين الناس ويأكله الوحشة.
ولذلك لم يأت الإسلام ليملأ المساجد بالمصلين فحسب، بل جاء ليبني الإنسان من داخله. فجعل الوضوء طهارةً للجسد، والصلاة حياةً للقلب، والذكر غذاءً للروح، والاعتدال منهجًا للحياة، حتى لا يطغى جانب على آخر.
قال الله جل جلاله: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. إنها ليست جملةً تُتلى، بل قانون رباني لا يتخلف؛ فكل قلب ابتعد عن الله ازداد قلقًا، وإن ملك أسباب الرفاه كلها، وكل قلب عرف ربه حق المعرفة ألبسه الله من السكينة ما يعجز المال عن شرائه.
وقال النبي ﷺ: «إن لبدنك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه.» وكأن الحديث يرسم خارطة التوازن التي يبحث عنها العالم اليوم في آلاف الكتب، بينما وجدها المؤمن منذ أربعة عشر قرنًا في كلمات قليلة من رسول الرحمة ﷺ.
أما الفيلسوف الروماني ماركوس أوريليوس فقال: “سعادة حياتك تعتمد على نوعية أفكارك.” وهي حكمة يكتمل معناها بالإيمان؛ لأن أعظم فكرة يحملها العقل هي معرفة الله، وأعظم يقين يسكن القلب هو أن الله أرحم بعبده من نفسه، وأعلم بما يصلحه، وألطف به من كل أحد.
وفي زمننا الحديث، يروي أحد كبار الأطباء النفسيين أنه سأل رجلًا أنهكه التوتر: “متى جلست آخر مرة مع نفسك بلا هاتف، وبلا ضجيج، وبلا استعجال؟” فأطرق الرجل طويلًا ثم قال: “لا أذكر.” عندها أدرك الطبيب أن المشكلة لم تكن في ضغط العمل، بل في انقطاع الإنسان عن نفسه، وانقطاع نفسه عن ربها.
يا للعجب… أصبح بعضنا يشحن هاتفه مرتين في اليوم، لكنه لا يشحن قلبه بركعتين! ويغضب إذا انخفضت بطارية جهازه إلى عشرة في المئة، بينما لا يقلقه أن إيمانه يضعف كل يوم بسبب الغفلة. نشتري ساعات ذكية تخبرنا بعدد خطواتنا، لكننا لا نسأل أنفسنا: كم خطوة خطونا إلى الله؟ ونقيس جودة النوم بتطبيقات إلكترونية، بينما يغيب عن أذهاننا أن القلب الذي ينام على التسبيح والاستغفار أهنأ نومًا من كل الأجهزة.
إن أكثر الناس تعبًا ليس من يعمل كثيرًا، بل من يحمل في صدره ما ليس له. يحمل كلام الناس، وأحكامهم، ومقارناتهم، وحسدهم، وكأن الله سبحانه وكله بإرضائهم. ولو علم أن رضا الخلق غاية لا تُدرك، وأن رضا الله هو الغاية التي تستحق العمر كله، لاستراح قلبه قبل جسده.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله.” وما أصدقها من كلمة؛ فالإنسان قد يجرب السفر، والمال، والنجاح، والشهرة، فلا يجد الطمأنينة التي يجدها وهو يناجي ربه في سجدة صادقة لا يراه فيها إلا الله.
ومن أروع ما يُروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه كان إذا ضاقت به أمور المسلمين، قام إلى الصلاة، لأنه كان يعلم أن من اتصل بالله لم تنقطع عنه أسباب القوة. تلك ليست هروبًا من الواقع، بل عودة إلى مصدر الثبات الحقيقي.
إن النضج ليس أن تكسب كل جدال، بل أن تعرف أي جدال لا يستحق أن تبدأه. وليس النجاح أن يصفق لك الناس، بل أن تنام وقلبك خفيف من الظلم، ولسانك نظيف من الأذى، وروحك عامرة بذكر الله. وليس الذكاء أن تحفظ أسماء المشاهير، بل أن تحفظ قلبك من الغرور، ونفسك من التعلق بما يفنى.
وحين يدرك الإنسان هذه الحقيقة، تتغير معايير حياته كلها. يختار طعامه لأنه أمانة، وينتقي كلماته لأنها مكتوبة، ويعتني بجسده لأنه نعمة من الله، ويحرس قلبه لأنه موضع نظر ربه، ويترك معارك كثيرة لأنها لا تزيده إلا تعبًا، ويقترب ممن يذكرونه بالله، ويبتعد عمن يسرقون سكينته.
وفي النهاية، لن تكون أغنى الناس لأن حسابك البنكي امتلأ، ولا أنجحهم لأن اسمك اشتهر، وإنما ستكون أغناهم حقًا إذا أغناك الله بالقناعة، وأسعدهم إذا ملأ قلبك بالإيمان، وأقواهم إذا أيّدك بلطفه، وأكرمهم إذا جعلك من أهل طاعته. فمن عرف الله حق المعرفة، عرف أن الطمأنينة ليست هدية عابرة، بل ثمرة قلبٍ وحّد الله، وعقلٍ وثق بحكمته، ونفسٍ أحسنت السير إليه، فحفظها برحمته، وأكرمها بفضله، وأغناها بقربه، وهو سبحانه الأول والآخر، والظاهر والباطن، له الحمد في الأولى والآخرة، وإليه المرجع، وعليه التوكل، ولا حول ولا قوة إلا به.
هذه النسخة أقرب إلى المقالات الافتتاحية التي تُنشر في الصحف الكبرى، وأكثر عمقًا وتدفقًا، مع مزجٍ للفلسفة والإيمان والسخرية الاجتماعية في نسيج واحد، بعيدًا عن أسلوب القصاصات أو الفواصل المتناثرة.
bismallah34@gmail.com



