سرُّ القبول..!!

راضي غربي العنزي ــ كاتب رأي سعودي

«إن الله إذا أحبَّ عبدًا أجرى على ملامحه سكينةً لا تُشترى، وجعل في قلبه نورًا يسبق صوته، وفي لطفه أثرًا يبقى بعد غيابه، فهو سبحانه الكريم الذي يجمل الأرواح بطاعته قبل أن يجمل الوجوه بنعمته.»

ليست المشكلة أن الناس ينظرون إلى مظهرك أولًا، فهذه طبيعة الفطرة البشرية، ولكن المشكلة الحقيقية أن يظل الإنسان أسير مرآته حتى ينسى قلبه. فالثوب مهما كان أنيقًا لا يستطيع أن يستر قسوة الروح، والعطر مهما فاح لا يغلب رائحة الكبر إذا خرجت من الكلمات، والابتسامة مهما أتقنتها الشفاه تفضحها أول لحظة يخرج فيها سوء الخلق.
لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وأمره أن يأخذ زينته، فقال سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، ثم وجَّه القلوب إلى الميزان الحقيقي حين قال جل جلاله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وكأن القرآن منذ البداية يحسم هذا الجدل القديم: اعتنِ بظاهرك، نعم… ولكن لا تجعل قلبك مهملًا، فالله سبحانه هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، سبحانه الواحد الأحد، الكامل في أسمائه وصفاته، المنزَّه عن كل نقص، الكريم الذي يفتح لعباده أبواب التوبة ويحب المتطهرين ظاهرًا وباطنًا.
ولذلك قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.» رواه مسلم. وما أروعه من ميزان! فهو لا يحارب الجمال، بل يضعه في مكانه الصحيح، فلا يكون الوجه أجمل من القلب، ولا المظهر أغلى من الضمير.
وفي عصرنا أصبحت المرايا أكثر من الوجوه، والكاميرات أكثر من العيون، والفلاتر الإلكترونية تُجمّل الصور في ثوانٍ، لكنها تقف عاجزة أمام كلمة جارحة، أو خيانة أمانة، أو كبر يسكن القلب. صار بعض الناس يقضي ساعة كاملة يختار صورة لحسابه، ثم لا يمنح نفسه خمس دقائق ليسأل: كيف يبدو خلقي عند الله؟ وكيف يراني أهلي عندما تغلق الأبواب؟ وكيف يشعر بي الفقير إذا قابلته؟ وكيف أكون إذا غضبت؟
إنها مفارقة ساخرة تستحق التأمل؛ فبعضهم يحفظ أسماء أشهر العطور العالمية، لكنه لا يعرف رائحة الصفح، ويعرف آخر صيحات الأزياء، لكنه لا يعرف آخر مرة صافح فيها محتاجًا بقلب رحيم. يلمّع حذاءه كل صباح، ويترك قلبه يصدأ بالحسد والمقارنة والخصومات. وكأن الإنسان أصبح يخشى أن يرى الناس غبارًا على ثوبه، ولا يخشى أن يرى الله غبار الغفلة على قلبه.
وقد قال الفيلسوف الرواقي إبيكتيتوس: “لا تحاول أن تبدو عظيمًا، بل حاول أن تكون كذلك.” وقال سقراط: “اهتم بإصلاح نفسك أكثر من اهتمامك بتجميل مظهرك.” وهي كلمات يلتقي معناها مع الهدي الإسلامي الذي سبق كل الفلسفات، حين جعل تزكية النفس عبادة، وحسن الخلق طريقًا إلى أعلى المنازل.
ومن أجمل ما يروى في تراث المسلمين أن عبد الله بن المبارك، رحمه الله، خرج في سفر للحج، فرأى امرأة فقيرة تجمع طائرًا ميتًا لتطعم أبناءها من شدة الجوع. فتأثر قلبه، وأعطاها مال رحلته كله، وعاد إلى بلده دون أن يحج نافلة، لأن إغاثة الملهوف كانت أولى في تلك الحال. لم يزد وجهه إشراقًا ثوب جديد، وإنما زاده نورًا قلب عرف الله، فأحبه الناس، وخلدوا سيرته. ذلك هو الجمال الذي لا تشيخ ملامحه.
وفي أيامنا هذه انتشر مقطع لرجل بسيط يعمل في تنظيف أحد الشوارع. لم يكن مشهورًا، ولا وسيماً على مقاييس الإعلانات، لكنه وجد محفظة تحوي مبلغًا كبيرًا وأعادها إلى صاحبها كاملة. لم ينتشر بسبب هندامه، بل لأن الأمانة حين تسكن القلب تصبح أجمل من كل زينة. آلاف التعليقات لم تكن تمتدح ملامحه، وإنما كانت تقول: “هذا هو الإنسان الذي نبحث عنه.” وهكذا يصنع الخلق الكريم ما تعجز عنه عدسات التصوير.
ولعل أجمل ما في القلب السليم أنه لا يحتاج إلى إعلان. فهو يُعرف من نبرة الصوت، ومن احترام الكبير، والرحمة بالصغير، والرفق بالضعيف، والصدق في الغياب قبل الحضور. القلب النقي لا يرفع صوته ليقنع الناس بجماله، لأن الأخلاق تتحدث عنه بصوت أعلى من كل الخطب.
إن الإنسان حين يمتلئ بتعظيم الله وتوحيده، يدرك أن كل نعمة في وجهه وجسده وعافيته هي فضل من الله وحده، فيتواضع بدل أن يتكبر، ويشكر بدل أن يغتر، ويعلم أن الجمال الحقيقي ليس فيما يراه الناس دقائق، بل فيما يكتبه الله له من قبول في القلوب. وكم رأينا من أصحاب وجوه آسرة نفر الناس منهم بسبب لسان سليط أو خلق جاف، وكم رأينا أناسًا عاديي الملامح، فإذا دخلوا مجلسًا شعر الجميع بالأنس وكأن الطمأنينة دخلت معهم.
قال الإمام ابن القيم، رحمه الله: “للقلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله.” وهذه العبارة وحدها تختصر رحلة الإنسان كلها؛ لأن القلب إذا أصلحه الله صلح اللسان، وصلحت العين، وصلحت اليد، وصار المظهر انعكاسًا طبيعيًا لجوهر جميل، لا قناعًا يخفي فراغًا داخليًا.
وفي النهاية، لا تجعل همك أن يقال: ما أجمل هيئته، بل اجعل رجاءك أن يقال: ما أطيب أثره. فالثياب تبلى، والوجوه تتغير، والشعر يشيب، والصور تُنسى، أما المعروف فيبقى، والكلمة الطيبة تبقى، والخلق الكريم يبقى، والله سبحانه هو الباقي، وهو الكريم الذي يرفع أقوامًا بإخلاصهم ولو خفت أسماؤهم بين الناس. فإذا وقفت كل صباح أمام المرآة، فلا تنس أن تقف لحظة أمام قلبك، فربما كان بحاجة إلى تنظيف أكثر من حاجته إلى التزيّن، وحينها فقط يكتمل الجمال… لأن الوجه قد يفتح لك بابًا، أما القلب الصالح، بعد فضل الله، فهو الذي يفتح لك القلوب.
bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام: 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top