حين يقرأ الناس الأبراج… ويغلقون المصحف..!!!

بقلم  – راضي غربي العنزي

كاتب رأي سعودي

«.ما أعجب هذا الزمان!
يدّعي المنجّم أنه يعرف ما سيحدث لك بعد شهر، لكنه لا يعرف متى تنقطع الكهرباء عن منزله، ولا متى يتعطل هاتفه، ولا متى يمرض، ولا متى يموت. يبيع الغيب للناس، وهو أعجز الناس عن معرفة ما ينتظره بعد دقائق. إنها تجارة قديمة، غلّفتها الشاشات الحديثة، لكنها بقيت كما هي: كذبٌ يُسوَّق، ووهمٌ يُشترى، ويقينٌ يُسرق من القلوب.»

كم هو غريب هذا العصر! فبينما يملك الإنسان كتابًا أنزله الله هدىً ونورًا، ما زال بعض الناس يفتح صباحه على صفحة الأبراج قبل أن يفتح قلبه على آية من القرآن، وكأن مستقبله كُتب في حركة الكواكب، لا في علم الله الذي وسع كل شيء، أو كأن سعادته معلقة بجملة كتبها مجهول يبحث عن عدد أكبر من المتابعين، لا عن عدد أكبر من الصادقين.
ولأن الوهم إذا لبس ثوب الثقافة خدع كثيرًا من الناس، فقد أصبحت الأبراج اليوم تُقدَّم في صورة مسلية، ثم تتحول شيئًا فشيئًا إلى مرجع نفسي، ثم إلى قناعة، ثم إلى باب يجر صاحبه إلى تصديق من يدّعي معرفة ما استأثر الله بعلمه. وهنا تبدأ المأساة، لا لأن الإنسان قرأ كلمات عابرة فحسب، بل لأنه منح قلبه مفتاحًا لغير الحق، وفتح نافذة يدخل منها الدجل باسم الترفيه، والكهانة باسم التحليل، والشعوذة باسم الطاقة الكونية.
إن الإسلام جاء ليحرر الإنسان من عبودية كل شيء إلا الله، فجعل قلبه متعلقًا بربه وحده، لا بنجم، ولا بكوكب، ولا ببطاقة حظ، ولا بخريطة ميلاد. قال الله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: 65]. إنها آية تهدم في لحظة واحدة آلاف الصفحات التي تُسوِّق الوهم، وتعيد للعقل المسلم هيبته، وللتوحيد صفاءه، ولليقين مكانته.
وجاء التحذير النبوي واضحًا لا يحتمل التأويل، فقال رسول الله ﷺ: «من أتى عرّافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة». وفي الحديث الآخر: «من أتى كاهنًا أو عرّافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد»، وهو وعيد شديد يدل على خطورة تصديق مدّعي علم الغيب، لأن الغيب من خصائص الله سبحانه وتعالى، لا يشاركه فيه أحد.
وليس غريبًا أن يزدهر سوق الدجالين كلما ضعفت المعرفة، فالتاجر لا يبيع بضاعته إلا في السوق المناسبة. والدجال لا يحتاج إلى عصا سحرية بقدر حاجته إلى عقل يتنازل عن التفكير، وقلب ينسى ربه، ونفس تبحث عن اختصار الطريق. وهكذا تتحول الأكاذيب إلى صناعة، والخرافة إلى تجارة، ويصبح بعض الناس يدفع المال ليشتري خوفًا جديدًا، أو أملاً مصنوعًا، أو وعدًا لا يملكه إلا الله.
ولقد روي أن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان إذا سمع من يتكلف ادعاء علم ما غاب عن الناس، ذكّرهم بأن المؤمن يثق بربه ولا يفتش خلف الأوهام. ولم يكن علماء الأمة عبر القرون يحاربون المنجمين لأنهم يكرهون العلم، بل لأنهم يفرقون بين علم الفلك الذي يعرف به الناس مواقيتهم وينتفعون به، وبين التنجيم الذي يدّعي ربط مصائر البشر بحركة النجوم، وهو باب من أبواب الباطل الذي أغلقت الشريعة طرقه حماية للعقيدة.
وفي زماننا تتكرر الحكاية بصورة أكثر أناقة. لم يعد الدجال يجلس في خيمة على أطراف المدينة، بل قد يظهر في استوديو فاخر، أو على منصة إلكترونية، أو في مقطع قصير يخبرك أن هذا الأسبوع سيغير حياتك لأن برجك يبتسم! يا للعجب… لو كانت الأبراج تعلم مستقبل أصحابها، فلماذا لم تخبر كتّابها بما سيحدث لهم قبل غيرهم؟ ولماذا تختلف توقعاتهم كل يوم حتى صار لكل برج عشرات المصائر في اليوم الواحد؟ إنها تجارة تعتمد على أن يجد كل قارئ جملة تناسب حالته، فيظن أنها كُتبت له وحده.
قال الفيلسوف سقراط: “الحكمة تبدأ حين يدرك الإنسان حدود ما يعلم.” ولو عاش بيننا اليوم لربما تعجب ممن يجهل نفسه ثم يزعم أن النجوم تعرفها! وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: “إذا امتلأ القلب بالله لم يلتفت إلى غيره.” وهذه الكلمة تختصر الطريق كله؛ فالقلب العامر بتوحيد الله لا يجد فراغًا تسكنه الخرافات.
وأعرف قصة شاب كان يقرأ الأبراج كل صباح، حتى صار يؤجل سفره، ويغير قراراته، ويؤخر أعماله بناءً على ما يقرأ. ثم حضر درسًا لأحد العلماء فسمع تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يومها أغلق تطبيق الأبراج، وفتح صفحة جديدة مع القرآن، وبدأ يبني قراراته على الاستخارة، والمشاورة، والعمل، والدعاء. وبعد أشهر قال لصديقه مبتسمًا: “لم يتغير العالم… الذي تغير هو قلبي.” وهنا أدرك أن الطمأنينة لا تُشترى من منجم، وإنما تُرزق لمن عرف ربه حق المعرفة.
إن أكثر ما يريده الدجال منك ليس مالك، بل يقينك. فإذا أخذ يقينك سهل عليه أن يأخذ كل شيء بعده. أما المؤمن فإنه يعلم أن الله وحده هو الحكيم العليم، الرحيم الكريم، الذي بيده النفع والضر، وإليه يرجع الأمر كله، فيطمئن قلبه، ويستقيم طريقه، ويعلم أن الخير فيما اختاره الله، وأن أبواب الرحمة لا تفتحها الأبراج، وإنما يفتحها صدق التوحيد، وحسن الظن بالله، وكثرة الدعاء، والعمل الصالح.
ولعل أكثر ما يدعو للأسى أن أمة نزل عليها أول أمر إلهي بكلمة “اقرأ”، يحاول بعض أفرادها أن يستبدلوا القراءة التي تحيي العقول بقراءة لا تحيي إلا الأوهام. وما بين القرآن والأبراج مسافة لا تقاس بالأوراق، وإنما تقاس بالعقيدة؛ هذا وحي من عند الله، وتلك ظنون لا تغني من الحق شيئًا.
وفي نهاية المطاف، لن يسألك الله عن برجك، ولا عن تاريخ ميلادك، ولا عن توقعات هذا الأسبوع، وإنما يسألك عن توحيدك، وعملك، وصدق قلبك، واستقامتك. فاجعل قلبك عامرًا بذكر الله، وعقلك منيرًا بالعلم، وخطواتك ثابتة على الحق، ولا تمنح أحدًا مفتاح الغيب الذي اختص الله به نفسه سبحانه وتعالى.
إن الطريق إلى الطمأنينة لا يبدأ من صفحة الأبراج، بل يبدأ من سجدة صادقة، ودعوة خاشعة، ويقين لا يتزحزح بأن الله وحده هو المدبر الحكيم، الرحمن الرحيم، العزيز العليم، لا شريك له، ولا ند له، ولا يعلم الغيب سواه، سبحانه وتعالى، له الحمد أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام – 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top