هناك سرٌ في يد المُحسن..!!

✒️ – راضي غربي العنزي
كاتب سعودي

«حين يريد الله بعبدٍ خيرًا، يفتح له باب إحسانٍ لا يلتفت إليه الناس، ثم يجعل في ذلك الباب من رحمته ولطفه وحفظه ما تعجز الأبصار عن إدراكه، ويعجز اللسان عن وصفه. فما أكرم الله، وما أعظم برَّه، وما ألطف تدبيره لعباده المؤمنين.»

في زمنٍ أصبحت فيه البطاقات البنكية أثقل من القلوب، وأصبحت المحافظ الإلكترونية أسرع من الأيدي إلى المحتاجين، ما زال هناك من يظن أن الصدقة خصمٌ من رصيده، لا زيادةٌ في بركة حياته. يفاوض على ريالٍ يخرجه لله ساعاتٍ طويلة، ثم يدفع أضعافه في أشياء لا يتذكرها بعد أيام، وكأن المال خُلق ليُكدَّس، لا ليكون جسرًا إلى رحمة الله.
ولو أن الناس عرفوا سرَّ المحسنين، لما تأخر أحدهم عن باب الصدقة لحظةً واحدة.
ذلك السر لم يكتشفه الاقتصاديون، ولم تكتبه مدارس الإدارة الحديثة، وإنما عرفه المؤمنون حين عرفوا ربهم حق المعرفة. عرفوا أن الله سبحانه هو الكريم، وهو الوهاب، وهو اللطيف، وهو البر، وهو الرزاق، وأن خزائنه لا تنفد، وأن العطاء له لا يفتقر صاحبه، بل يغتني قلبه قبل أن يغتني جيبه.
ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله كلامًا يكتب بماء الذهب: «فإن للصدقة تأثيرًا عجيبًا في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجر أو من ظالم بل من كافر، فإن الله تعالى يدفع بها عنه أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به؛ لأنهم جربوه.»
إنها ليست مبالغةً أدبية، بل سنةٌ من سنن الله في خلقه. فالله سبحانه هو المدبر الحكيم، وهو اللطيف بعباده، يفتح لهم من أبواب الخير ما يصلح به قلوبهم قبل دنياهم، ويصرف عنهم من المكاره ما لا يعلمونه، رحمةً منه وإحسانًا وفضلًا.
ولذلك قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
وما إن نزلت هذه الآية حتى قام الصحابي الجليل أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه، وكانت أحب أمواله إليه بستانًا يسمى “بيرحاء”، فقال: يا رسول الله، إن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله. فقال له النبي ﷺ: «بَخٍ بَخٍ، ذاك مالٌ رابح.»
تأمل المشهد…
لم يسأل أبو طلحة: كم سيبقى لي؟
ولم يقل: سأؤجل حتى تتحسن ظروفي.
ولم يستشر حاسبةً إلكترونية، ولا خبيرًا اقتصاديًا.
لقد استشار قلبًا امتلأ يقينًا بالله.
وهنا يكمن الفرق بين من يملك المال، ومن يملك الثقة بالله.
وقال رسول الله ﷺ: «ما نقص مالٌ من صدقة.» وليس المقصود أن الأرقام في كشف الحساب لا تنقص، وإنما المقصود أن الله يبارك، ويحفظ، ويعوض، ويجعل في القليل من الخير ما لا يجعله في الكثير المجرد من البركة. فكم من غنيٍّ يعيش فقر الطمأنينة، وكم من محدود الدخل ينام قرير العين لأن قلبه معلقٌ بالله.
الفيلسوف الرواقي سينيكا قال يومًا: “ليس الفقير من قل ماله، وإنما الفقير من كثرت رغباته.” ولو عاش حتى يومنا هذا لربما أضاف: إن بعض الناس يجمع المال كما يجمع الطفل الحصى على شاطئ البحر، ثم يتركه كله عند أول حفرة في الطريق.
أما الحكيم الصيني لاوتسه فقال: “العطاء الحقيقي هو أن تعطي دون أن تنتظر المقابل.” والمؤمن يزيد على هذه الحكمة نورًا، فهو لا ينتظر المقابل من الناس أصلًا، وإنما يرجو فضل الله وحده، ويوقن أن الكريم سبحانه لا يضيع عمل المحسنين.
ومن أعجب مفارقات عصرنا أن بعض الناس إذا ضاقت به الدنيا، أسرع إلى قراءة الأبراج، أو تصديق الدجالين، أو مطاردة الخرافة، وكأن الفرج يسكن في صفحات المنجمين! لكنه يمر بجانب يتيم، أو أرملة، أو عاملٍ أنهكه التعب، فلا تتحرك يده بشيء. يا للعجب! يبحث عن مفاتيح الوهم، ويترك بابًا فتحه الله بنفسه، وجعل عليه وعدًا بالخير والبركة.
إن الصدقة ليست تحويلًا ماليًا فحسب، بل إعلان ولاءٍ لله، ورسالة ثقةٍ بكرمه، وشهادةٌ عملية بأن القلب يعلم أن الرازق هو الله وحده، وأن المعطي هو الله وحده، وأن الحافظ هو الله وحده، وأن كل ما في أيدي الخلق إنما هو عاريةٌ منحها لهم الكريم سبحانه ثم استخلفهم فيها لينظر كيف يعملون.
ولذلك فإن المحسن يعيش حياةً لا يراها غيره. ربما ينجو من حادثٍ لم يقع، أو مرضٍ لم يشتد، أو همٍّ انصرف، أو بلاءٍ رفعه الله عنه قبل أن يراه. ولسنا نجزم أن هذا بسبب صدقة بعينها، فالغيب عند الله وحده، ولكن المؤمن يعلم أن الله جعل للطاعات آثارًا مباركة، وأن فضله أوسع من أن يحيط به عقل، وأن رحمته سبقت غضبه، وأن لطفه يحيط بعباده من حيث لا يشعرون.
وما أروع قول الإمام الشافعي رحمه الله: “صنائع المعروف تقي مصارع السوء.” إنها عبارة قصيرة، لكنها تختصر تجارب أمم، وتلخص فلسفة الحياة في كلمات معدودة. فالخير لا يضيع عند الله، والإحسان لا يسقط من ميزانه، والدمعة التي مسحتها عن وجه فقير قد تكون سببًا في أن يمسح الله عن قلبك همًا لم تخبر به أحدًا.
ليس المطلوب أن تكون ثريًا حتى تتصدق، بل المطلوب أن يكون قلبك غنيًا بالله. فرب درهم سبق ملايين، ورب رغيفٍ أدخلك الله به أبوابًا من رحمته، ورب ابتسامةٍ مع إحسانٍ يسير كانت عند الله أعظم من جبالٍ من الذهب أفسدها الرياء.
وحين تنظر إلى يد المحسن، فلا تنظر إلى ما خرج منها، بل انظر إلى ما أودعه الله فيها من بركة، وإلى ما امتلأ به قلب صاحبها من يقين، وإلى ذلك السر الذي لا تراه العيون… سرٌّ اسمه الثقة بالله.
فإذا أردت أن تعرف لماذا ينجو بعض الناس من شدائد لا يعلمها إلا الله، ولماذا يفيض السكون على قلوبٍ لا تملك الكثير، ولماذا تتسع الحياة لأناسٍ ضاقت بهم الأسباب، فاعلم أن وراء ذلك فضلًا من الله، ثم أعمالًا خفيةً بين العبد وربه، لعل من أجملها صدقةٌ خرجت في صمت، فلم يسمع صوتها أهل الأرض، لكن سمعها رب الأرض والسموات، فكتب لصاحبها من رحمته ولطفه وحفظه ما لا يخطر له على بال.

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام: 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top